لعل من الأهمية بمكان التمييز بين نوعين من الحوار هما: الحوار العفوي الذي يملأ الحياة اليومية، والحوار المقصود أو المنظم؛ فهناك من يخرج النوع الأول من مصطلح الحوار ويقصره على الحوار المنظم الذي يناقش قضية من قضايا العلم أو الفكر أو المعرفة أو السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع وغيرها...
مع كون القسم الأكبر من الحوارات التي تدور في إطار الحياة الاجتماعية وبصفة دائمة حواراتٌ عفوية، الأمر الذي يُظهر مدى الحاجة لتوسيع المصطلح ونشر وتعميق ثقافة الحوار في شتى جوانب الحياة وعدم اختزاله في جانب أو جوانب محددة منها..
وكلا النوعين يتطلب الالتزام بأخلاقيات وآداب الحوار في الإسلام والتي تتخذ طابعًا إنسانيًا عامًا وتتسع لتشمل المسلم وغير المسلم معا، ومن أهمها: إحسان القول في محاورة الطرف الآخر، وحُسن الاستماع إليه، وتقديره واحترامه وإنصافه، والتزام الصدق، والتواضع والبعد عن تضخيم الذات والإعجاب بالنفس وتسفيه آراء الآخرين واحتقارهم..
فهي آداب عامة في شمولها لكل المتحاورين وجميع أنواع الحوار، ما كان منها دائرا في إطار الحياة الاجتماعية كالحوارات الزوجية والأسرية والتربوية وغيرها..
والتي تكون فيها مادة الحوار أحيانا غير مقصودة لذاتها، كأن يدور الحوار حول أحداث الحياة اليومية ويهدف إلى مجرد المشاركة والأنس وتعميق العلاقة بين المتحاورين، أو يكون الحوار فيها ذا أبعاد تربوية، يوصل المربي من خلاله مضامين تربوية لمحاوره، هي في نظره أهم من مادة الحوار نفسها ويكون الحوار في هذه الحال بمثابة جسر لها.
كما تشمل هذه الآداب الحوار المقصود أو المنظم في قضية من القضايا الآنفة، والذي يهدف بشكل أساس إلى توضيح الرؤى، وتبادل المعلومات، وتقريب وجهات النظر، وتفهم الطرف الآخر، وتقليل مساحة الخلاف، أو الوصول إلى حلول... وتختلف الأهداف باختلاف نوع القضية المطروحة للحوار ويتطلب هذا النوع أمورا أخرى إلى جانب الأخلاقيات والآداب العامة للحوار التي سبق ذكرها، كأهلية المحاور، وتجرده وموضوعيته، وطلبه للحق وقبوله له وإن خالف رأيه، وتفريقه بين ما هو مطلق وما هو نسبي من الحقائق والآراء...
فمما يقع فيه كثير من المتحاورين عند الاختلاف، عدم فصل الذات عن الموضوع فيعتبر أحدهم رأيه وذاته شيئا واحدا، وردُ رأيه أو إظهار ضعفه أو خطئه من قبل محاوره انتقاصٌ لذاته أو اعتداءٌ سافر عليها يوغر صدره ويذهب معه الودُ أدراج الرياح..
ومما يتمخض عنه الحوار ظاهرة الجنوح لتصنيف المتحاورين بناء على آرائهم (مواقفهم النظرية)، والتصنيف في الأصل واقعٌ لا يمكن إغضاء الطرف عنه، فهو واقع في القرآن الكريم والسنة النبوية إذ الناس مصنفون ما بين مؤمن وكافر ومنافق، وفي الصف المؤمن هناك سابق بالخيرات ومقتصد وظالم لنفسه، كما أن التصنيف حاضر في واقع الناس بحسب انتمائهم إلى أديان أو أيديولوجيات أو أحزاب أو حركات وتنظيمات وغيرها، ولا يوجد (ما) ولا (من) هو غير قابل للتصنيف حقائق وأفكار وعلوم ومعارف ومواقف وأشياء وأشخاص وحتى اللا موقف ينطوي على موقف وعدم الاختيار يتضمن اختيارًا..
وتصنيف الأشخاص فرزٌ موضوعي لهم بحسب آرائهم ومواقفهم للتعاطي معهم بصفة دقيقة، فهو يؤدي وظيفة إيجابية من هذه الناحية، وآفته تتمثل في استخدامه لتسديد ضربات موجعة للآخرين للنيل منهم وتشويه صورتهم من خلال وضعهم في خانات تقزمهم وتنفر منهم، وهنا يصبح التصنيف مقيتًا وباسم الضرورة الموضوعية يتم إخراجه عن وظيفته الأصلية ليمسي وسيلة للمغالبة ليس إلا..).
* أكاديمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية