تكتسب القرارات الوزارية بعداً استراتيجياً للموضوعات المُتخذ حيالها هذه القرارات ، ليس لأنها صادرة بقوة السلطة ، بقدر ما هي مُخرَج لنقاشات مستفيضة للقضية المطروحة من جميع الزوايا ، بينما نتلقفها – نحن – بإيجابية متى ما وافقت هوىً في أنفسنا ، ونجلدها – نقداً سلبياً – متى ما هددت مصالحنا الذاتية الآنيِّة ، وهذا ما أدى إلى تنامي أعضاء مقاومة التغيير في المؤسسات ؛ خاصة من يتمتع بنفوذ قد يتجاوز في قوته مصدر القرار ذاته.
ما سبق ينطبق تماماً على قرار وزير العمل المدعوم من مجلس الوزراء القاضي بزيادة رسوم العمالة غير السعودية لرخصة العمل بواقع ( 2400 ) ريال سنوياً ، أي بواقع ( 200 ) ريال شهرياً بدلاً عن ( 100 ) ريال سنوياً ، والذي انبرى له رجال الأعمال قبل العمالة بالتنديد به؛ على اعتبار أنه سيكون سبباً رئيساً في زيادة الأسعار في توظيف عاطفي لتجييش العامة ضد القرار ومحاولة إيقاف تطبيقه بكل السبل المتاحة، ولعل أبرز التصريحات المُنددة في هذا الصدد جاءت على لسان رجل الأعمال الكبير صالح كامل الذي قال في تصريح نشرته صحيفة المدينة في عددها الصادر يوم الأحد 2/12/2012م : أنهم سيواصلون التصدي بكل الطرق النظامية لقرار وزارة العمل ، القاضي بزيادة رسوم إصدار وتجديد رخص العمل (2400) ريال سنوياً ، مشيراً بأنه تم تكليف مركز جدة للقانون والتحكيم بإعداد قائمة بالمخالفات النظامية الموجودة في القرار للرفع بها إلى ولاة الأمر ، وكذلك اتخاذ الإجراءات القانونية في ظل إجماع أصحاب الأعمال على رفضهم الكامل للقرار مشيراً إلى أن الاتصالات التي جرت بينه وبين وزير العمل كانت بعد صدور قرار وزارة العمل والهدف منها ثني وزارة العمل عن تطبيق القرار.
إن توافر مقاومة للقرار بهذا الحجم تُعطي صغار المُستثمرين قدراً من الاطمئنان بأن الحماية ستكون كبيرة لهم من تداعياته المُجحفة بحق المستهلكين - حسب رؤيتهم - ولم يعلموا أن المجتمع لم يعد من الممكن أن يُمرر عليه مثل هذا الإسقاطات السلبية التي تخدم مصالح المدافعين أولاً ، على حساب دفاعهم غير الموضوعي عن المستهلكين الذين هم متأكدون من أن أغلب المبالغ التي تُدفع لمثل هذه الرسوم هي على أكتاف العمالة ولا يتحمل صاحب العمل سوى توقيع يوهم به الجهات ذات العلاقة بأن هذا العامل أو ذاك تحت كفالته الشخصية ، والأدهى والأمَّر أن يُصاحب هذا التوقيع – أتاوة – تُضاف لقيمة الرسوم من العامل لصالح صاحب العمل ، مما يُفاقم الحالة النفسية للعمالة ، ويُجبرها على ممارسة ما تستطيع ممارسته بهدف زيادة دخلها لتُغطي طلبات السيد صاحب العمل ومن ثم تُوزع ما تبقى منه بين مصروفها الشخصي - هنا - ومتطلبات أسرتها - هناك -.
هذه التداعيات للعلاقة المشبوهة بين طرفي معادلة العمل دفعت وزير العمل إلى توضيح بعض الملابسات حول حيثيات القرار ونشرته صحيفة الشرق في عددها 380 وتاريخ 18/12/2012م ؛ حيث قال «إن القرارات سيكون لها دور في التضييق على المتسترين الذين يشكلون ما نسبته 42% من المنشآت الصغيرة ، مشيراً إلى أن هناك ثمانية ملايين عامل وافد 86% منهم في وظائف متدنية لا تصلح للسعوديين ، متوقعاً أن ترتفع تحويلاتهم المالية إلى بلدانهم من 104 مليارات ريال في عام 2011 إلى 130 مليار ريال بنهاية العام الحالي 2012م ، وقلل فقيه من احتمالية أن يرفع القرار أسعار السلع والخدمات إلى الضعف ، وراهن على العرض والطلب في الحفاظ على توازن السوق ، مؤكداً أن التكلفة اليومية للعامل لا تتجاوز 6.60 ريال «.
هذه التجاذبات بين المصدر الرسمي للقرار المُستهْدِف تصحيح الوضع وبين المُستهْدَفِين به خلقت جواً من التأزم لمستقبل العمل ضحيته – حتماً – هو المُستهْلِك البسيط الذي لن يجد أمامه إلا الانصياع للأمر الواقع مهما كانت بشاعته.

Zaer21@gmail.com