العنصرية هي أبشع فكرة أنتجها الإنسان، وأسوأ معتقد آمن به طوال تاريخه. ومع ذلك فإنها ما زالت متأصّلة في وعي ولا وعي البشر على حد سواء.
ورغم أن العنصرية لا تتغذى سوى على الغرائزية، فإنها ما زالت منتشرة في كل أنحاء العالم، وإن اتخذت أشكالاً متنوعة ودرجات متعددة وممارسات مختلفة، من بلد إلى آخر.
حتى في الدول الأكثر تقدماً، والتي شرّعت القوانين المناهضة للعنصرية، وأصدرت العقوبات التي يفترض أن تكون رادعة بحق من يثبت عليه التورط في الممارسات العنصرية، فإن العنصرية كفكرة ما تزال تلعب دوراً ربما كان أكبر مما نتصور في حياة البشر هناك. وليس أدل على ذلك من ظهور بعض الأحزاب السياسية التي تتخذ من العنصرية توجها لها في دول أوروبية عريقة كفرنسا مثلا، حيث تمثل الجبهة الوطنية بقيادة جان ماري لوبان، إحدى القوى السياسية الرئيسة في البلاد.
يحدث هذا في أوروبا التي اكتوت بنار الحرب العالمية الثانية بسبب طغيان الفكر العنصري الفاشستي، مما حدا بالغرب وبالذات أوروبا، إلى سن القوانين التي تُجرِّم العنصرية. ومع ذلك فقد استطاع العنصريون الاحتيال على القوانين وتمكّنوا من ممارسة العمل السياسي عبر الأحزاب الشرعية، ونجحوا في بلد كالنمسا في كسب الانتخابات قبل أقل من عقدين من الزمان، لولا القرار الذي صدر بعدم اعتماد نتائج الانتخابات لأنها تهدد الحياة الديمقراطية في البلاد.
وعلى الصعيد الخارجي فإن الدول الغربية التي تناهض العنصرية وتحارب التمييز قانونيا، كانت هي الدول الأكثر تورطا في دعم الأنظمة العنصرية حول العالم. ولقد تعدّى الأمر دعم الأنظمة العنصرية ليصل إلى دعم الدول والكيانات العنصرية نفسها. وما دعم الغرب غير المحدود وغير المشروط وغير المسبوق للكيان الصهيوني، إلا دليلاً إضافياً على غرق الغرب الذي صدّر مبادئ حقوق الإنسان للعالم أجمع، في الازدواجية المقيتة التي باتت مكشوفة ومفضوحة ولا يمكن تبريرها من الناحية الأخلاقية.
العنصرية شعور ما زال متأصلاً في وجدان ولا وعي البشر في الدول الأكثر تقدماً، فما بالك بالدول المتخلفة أصلا؟!