دعوني أدخل في الموضوع على طول، لا على عرض، أو سُمْك، أو محيط، أو مساحة، أو أي عنصرٍ آخرٍ من عناصر الحساب والهندسة!.
أنا من المعجبين بالزميل أحمد العرفج، وأعتبره صاحب مدرسة مستقلة في الكتابة الصحفية، خصوصًا كتاباته الساخرة، وقد يُفاجأ هو إن علم أنّ إعجابي به في ذلك يُقارب إعجابي بالجيل الذهبي من عمالقة الكُتّاب المصريين الساخرين، الذين بسخريتهم اللذيذة، أضحكوا حجارة الأرض، فاستلقت على ظهرها تقهقه وتقهقه وتقهقه، مثل محمود السعدني، وفكري أباظة، وكامل الشنّاوي، رحمهم الله أجمعين!.
بل ربّما كان العرفج يعجبني أكثر منهم، لأسلوبه الأدبي الرفيع، ومفرداته الفصيحة، السهلة والممتنعة، واستشهاده بأجمل ما أورده تراثنا العربي من شعر وحِكَم ونثر!.
لكن، وما أدراكم ما لكن؟ لقد بدأتُ ألاحظ في الآونة الأخيرة على حبيبنا العرفج، خصوصًا في تغريداته بتويتر، ومقابلاته في القنوات الفضائية، ابتعاده عن السخرية الراقية، وميله الكبير لما سمّاها هو بالدعابة، وأصفها أنا بأنها ليست من قماش ثوبه الجميل والمطرّز، بل هي أقرب لما ينتهجها العامة في مناوشاتهم ومزاحهم في الديوانيات والمجالس، كأقواله: فلان المدرب في كرة القدم معلّم كبدة، والجمعية الفلانية بشْكة قهوة في شرق إحدى المدن، والنادي الفلاني لو درّبته جدّتي سيفوز!.
كما أضاف لدعاباته ارتدائه لملابس تُذكّرني بملابس الممثلين الكوميديين، مثل قبّعة فؤاد المهندس، وكرفتّة عبدالسلام النابلسي، رحمهما الله، وببيونة مستر بيين، وأخشى أنه أصبح يريد إضحاك الناس ولو بتكلّف مُصطنع في اللفظ والزيّ، دون السخرية الراقية التي ألفناها منه؟ وعمرها لم ولن تكن هذه السخرية كوميديا، وأنا والله أربأ به عن ذلك، وأتمنّى أن يكفّ عنها، ويستمرّ في نهجه المعروف عنه، وأهديه بهذه المناسبة قول علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: (جمّلوا القلوب، والتمسوا لها طُرف الحكمة)، ولاحظوا أنّ أبا الحسن رضي الله عنهما قال (طُرف الحكمة)، لا الأقوال المضروبة بالهزل، والغارقة في السطحية، فهذه يعافها الناس، ولا تُضحِك حجارة الأرض، بل تُبكيها وتغيظها لدرجة تهب نفسها مُطاوِعةً لكلّ من يريد قذفها على المُداعِب، حتى لو كان كاتبًا شهيرًا بالحبر الأصفر، مغتاظًا من الحبر الأزرق، اسمه أحمد العرفج!.