حين تسكبنا الحياة في سراديبها أيامًا ذابلة.. وحين تمضغ منّا كل ما فينا، ثم تلتهمنا في جوفها. ثمَّة هناك مطارحٌ من الماضي البعيد نُهرول إليها حلمًا.. وفوق ساحاتها نلهو.. نثرثر.. نعبث ونبعثر، نَتَقَوَّتُ منها خوفًا من أن يأسرنا العمر في دهاليز اليأس، فيغتالنا الذبول وتتلاشى أرواحنا.
في الجهة الخلفية من الذاكرة هناك ركن ننزوي إليه.. نرمي بأنفسنا في تجاويفه.. نركن إلى زمنٍ ولَّى نسكنه ويسكن فينا.. ونأبى إلا أن نتلبّسه ونسمح له أن يتلبّسنا.
كم هو موجع حين يعبث بنا الشعور بالغربة وسط عالم ألفناه إلى التكيف استسلامًا، ولا مخرج لنا من تلك الحالة إلا الهروب ثم الهروب إلى تلك التجاويف الغائرة بالحلم والزوايا البعيدة.
ونحن قابعين في ذات المكان.. يصبح التنفس متاحًا والضحك من القلب متاحًا.. وتضيق دوائر الغربة، نجمع الحروف والصور، على صفحات ماضينا الجميل.. ونخربش بفوضوية فوق سطوره، نرسم ونُلوِّن يومنا وغدنا.. يتملّكنا الشغف بالحياة، نستسقي منه الجدب فينا.. نستدرج الفرح.. نسرق لحظات السعادة.. يورق فينا الإحساس بكل ما حولنا ومن حولنا، وتتحوّل غصة الغربة في حناجرنا إلى لحنٍ عذب.. نستفيق لنكتشف أن للحلم نهاية وللهروب نهاية.. وأن أكتافنا أثقلتها السنون، ونعود مرة أخرى إلى دائرة غربة الروح عن الروح والمكان والزمان.