نسبة بعض الأخطاء الشنيعة إلى كثير من العلماء قد نستنكرها؛ إلا إذا تعلق الأمر بالصراعات العقدية وبالطائفية، فحينئذ يكون من غير المستغرب أن يقع العالم الكبير في الخطأ الطائفي الكبير: وهو التكفير بغير حق!!
ولذلك لا تستغرب من كثرة الأخطاء في باب التكفير، ومن اضطراب المقالات فيه، عند أكثر العلماء، وفي عامة المذاهب الفقهية والمدارس العقدية!
فالتكفير أصبح عند هذه المذاهب المتنازعة سلاحا من أسلحة المقاومة، وقد تصل معركته في ضراوتها وفي مشروعيتها في فكر الفقيه منهم وفي وجدانه إلى درجة أن تكون بمثابة جهاد الدفع: (حربا من أجل البقاء).
فلا تستغربوا (بعد ذلك كله) من كثرة الخطأ في التكفير عند العلماء قبل غيرهم! ولا تستعجبوا من ضياع صوت العلم المتجرد بين أصوات العلماء وضجيجهم في دعواتهم إلى النضال (الطائفي)!!
بل لا تستغربوا إن أصبح الصوت المسموع للعلماء هو وَقود التكفير الطائفي في كثير من الأحيان، وإذا كانوا هم أنفسهم دعاةَ عدم التعايش، وليس العامة والأتباع كما يُشاع دائما ؛ لأن كثيرا من هؤلاء العلماء، وبعد انقضاء الأجيال الفاضلة (أجيال السلف الثلاثة)، قد انخرطوا فعليا في صفوف المعارك العقدية الطائفية، والتي كان التكفير فيها من أنجع أسلحتها وأشرسها! وهي معارك قد بدأت حين بدأت (مع خطئها منذ بداياتها) : أكثر علما، وأشد ورعا، وما زالت فيها بقايا من إنسانية . ثم أصبح العلم فيها يقل، والورع عنها يختفي، وتضيع فيها المعاني الإنسانية.. بالتدريج، حتى وصلت إلى حد مخيف من البعد عن العلم والورع وانعدام الإنسانية! إلا من أصوات علم حقيقي مفرقةً هنا وهناك، كانت وما زالت (مع قلة عددها وخفوت صوتها أحيانا) تحفظ الدين وتحفظ الأمة، في دعوتها للحذر من التكفير بغير حق!
وقريبا عُقد مؤتمر لفقهاء مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وجاء في بيانه الختامي هذه العبارة- كما نشرته الصحف- ((تحريم تكفير أي فئة من المسلمين تؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتؤمن بأركان الإسلام، وأركان الإيمان، ولا تنكر معلوما من الدين بالضرورة، وحرمة دماء المسلمين باختلاف طوائفهم، وتحريم الاقتتال بينهم مطلقا)).
وقد يظن غير العالم أن هذا البيان بيان إيجابي في منع التكفير بغير حق، وقد يشيد به الجاهل بواقع معاركنا العقدية عبر تاريخنا الإسلامي، والتي سُطرت صولاتها وجولاتها في كثير من كتب العقائد والفقه، لا على هيئة معركة عقدية (كما كان واجبا أن يكون)، بل على هيئة تقريرات علمية، وهي غير علمية بالمرة!
وقد يُقدّم فقهاءُ المجمع هذا البيان للسياسيين على أنه إنجازٌ منهم في منع التكفير بغير حق! وقد يُصدّقُ السياسيُّ هذه الخدعة العلمية والحيلة الفقهية (والتي قد لا يكون مقصودا بها الخداع والاحتيال، لكن الخطأ العلمي وعدم الجرأة على تصحيح أخطاء الماضين، هو ما أوقعهم هم فيما يشبه الخديعة والاحتيال) !! وكيف لا يصدق السياسيون هذه الخدعة، وهي بيان نتج عن اجتماعٍ لفقهاء العالم الإسلامي، وجاء مدعيا مقاومة التكفير بغير حق؟!
ولكن الواقع أن نص هذا البيان هو تقرير لواقع التكفير بكل قبحه وأخطائه! نعم هو كذلك بكل وضوح وصراحة!!
ولن أقف مع كل ما يستحق الوقوف معه منه، ولكني سأقف وقفة سريعة مع عبارة واحدة منه، تبين هذه الحقيقة المرة، وهي حقيقة أن هذا البيان ما هو إلا تقرير لواقع التكفير بكل قبحه وأخطائه!
فقولهم في الاستثناء من حرمة النطق بالشهادتين ومن منع التكفير: المنكِر للمعلوم من الدين بالضرورة، هو باب من أبواب الشر التي انفتحت منذ قرون كثيرة في تقريرات التكفير بغير حق.
ولن أدخل في التفاصيل العلمية الدقيقة لبيان ذلك ومناقشته هنا، ولكني فقط سوف أبين كيف سيكون هذا البيان الصادر من المجمع تقريرا لواقع التكفير الذي جاء موهما بمقاومته:
فبهذا البيان: سوف يُكـفِّر السنةُ الشيعةَ، وسوف يكفر الشيعة السنة، وسوف يكفر السلفيون الأشعرية، وسوف يكفر الأشعرية السلفيين، وسوف يكفر أهل السنة الإباضية، وسوف يكفر الإباضية أهل السنة، وبه قد كُفِّر الصوفية وجهلة المسلمين ومتأولوهم، وبهذا التقرير كفّر الإرهابيون حكامَ المسلمين وجنود دولهم (في الحكم بغير ما أنزل الله، وفي الولاء والبراء، وفي ما أسموه بالاستحلال العملي لما حرم الله)... فكل هؤلاء عند خصومهم قد أنكروا ما زعموه معلوما من الدين بالضرورة، وهو في أصدق أحواله وأحسنها: معلوم بالضرورة عند المكفِّرين (بكسر الفاء) لا عند المكفَّرين (بفتح الفاء)، مما لا يجيز تكفير الأعيان؛ لأنه مما يُعذَر فيه بالجهل وبالتأوّل، ولا يبيح تكفير أهل الشهادتين.
فانظر كيف يكرر حتى الفقهاء هذا الخطأ المستشنع، فيقررون واقع التكفير باسم الرد على التكفيريين، وتحت شعار مقاومة التكفير!!
ولذلك فإني أتحدى أن يكون لهذا البيان أي أثر واقعي في التقليل من التكفير بغير حق، لا لكونه بيانا لن يُفعَّل (كما سيُدّعى)، ولكن لأنه ليس فيه إلا تقرير الواقع بكل سَوْءاته وشناعاته! فكيف يُغيّر الواقع، وهو يقرره؟!!
ولذلك فإني لأنصح عامة المسلمين وقادتهم، وكل من ليس بعالم شرعي متمكن، ممن لا قدرة علمية لديه في تفلية تراثنا من وصمة التكفير بغير حق المنتشرة فيه = أن يمتنع عن تكفير أهل الشهادتين تماما، حتى ولو أفتاه جمعٌ من العلماء بكفر بعضهم!! فحتى الجمع من العلماء قد يغلطون هذا الغلط الشنيع! فلا يضع في ذمته تكفير مسلم بغير حق، لمجرد تقليده لفلان أو فلان! ويكفيه أن يكفر من أجمع المسلمون على كفره ممن ينتسب للإسلام وهو ينقض الدلالة اللغوية الصريحة للشهادتين (لا للوازم النطق بها)، ويكفيه أن يكفر الكفار الأصليين ممن لا يشهدون الشهادتين! وليدع تكفير من سوى هؤلاء، لا يأتي يوم القيامة وفي رقبته جريرة غيره، بحجة اتباع عالم أو تقليد فقيه!!