تكلمنا في مقال الأسبوع الماضي عن خطأ بيان مجمع الفقه الإسلامي الدولي، والذي يحرّم تكفير أي فئة من المسلمين تؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتؤمن بأركان الإسلام، وأركان الإيمان، ولا تُنكر معلومًا من الدين بالضرورة، وكنت اكتفيت في مقال الأسبوع الفائت لتوضيح خطأ هذا البيان، أن نبَّهتُ على كونه بيانًا يُقرر التكفير بغير حق، الذي يُظن أنه جاء مدينًا له! إذ أن نص ذلك البيان يمكن أن يستعمله بعض المغرضين لتكفير المسلمين، فكل فئة من المسلمين ستجد في المسلمين من تُكفّره بحجة أنه يُنكر معلومًا من الدين بالضرورة!
واليوم أزيد هذا الأمر وضوحًا:
فمع أن التكفير بإنكار المعلوم من الدين بالضرورة مقالةٌ قد سبق إلى إطلاقها كثير من العلماء؛ إلاَّ أنها مقالة قد جرّ خطأُ إطلاقِها شرورًا كثيرةً على المسلمين قديمًا وحديثًا، وكان المرجو من جهة علمية بثقل مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن تتجاوز تلك الأخطاء في تراثنا، ولا تكررها دون تحرير، ولا تصحيح، ولا تجديد.
إن تكفير منكِر المعلوم من الدين بالضرورة بهذا الإطلاق سيكون سببًا في تكفير البعض من المشهود لهم بالورع والتقوى عبر تاريخنا الإسلامي!! نعم.. إلى هذا الحد سيكون أثره السلبي خطيرًا!!
فهذا قدامة بن مظعون -رضي الله عنه-، وهو من أهل بدر، ومع ذلك ففي خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قد أنكر التحريمَ المطلقَ لشرب الخمر، فشربها، حتى سَكِرَ، متأولاً آيةً في كتاب الله تعالى على عدم إطلاق تحريم الخمر. فأقام عمر الحدَّ عليه، ولم يكفّره بإنكاره هذا الأمر المعلوم من الدين بالضرورة، ولا عذره في تأوله إعذارًا مطلقًا ؛ لكنه لم يطبق عليه حكم بيان مجمع الفقه الإسلامي الدولي، فلم يحكم بردته، مع كونه أنكر معلومًا من الدين بالضرورة!
ومن الصحابة من كان يُنكر قرآنية المعوذتين، وآخر منهم كان يضيف في القرآن دعاءين للنبي صلى الله عليه وسلم، ويسمّيهما سورتي الحفد، والخلع، ولعلها من منسوخ التلاوة.
ومن العلماء من أنكر بعض القراءات المتواترة.
ومع ذلك لم يكفرهم أحد بإنكار معلوم من الدين بالضرورة، خلافًا لإطلاق ذلك البيان المنتقَد.
وسبب عدم تكفير أهل الشهادتين بإنكار معلوم من الدين بالضرورة: هو أن شرط صحة هذا التقرير أن يكون الذي ينكر المعلوم من الدين بالضرورة ينكره وهو يعلم يقينًا أنه من الدين، أمّا إذا كان إنكاره ناشئًا عن جهل بسيط (عدم علم)، أو عن جهل مركب (تأوّل) = فهذا لا يَكفُر، ولا يجوز أن يُكـفَّر.
ويدل على ذلك حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- الصحيح عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَدْرُسُ الإسلام كما يدرس وَشْيُ الثوب. حتى لا يدرى ما صيامٌ ولا صلاةٌ ولا نُسك، ولا صدقة. وليسرى على كتاب الله -عز وجل- في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية. وتبقى طوائف من الناس والشيخ الكبير، والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلاّ الله. فنحن نقولها)، فقال أحد التابعين (وهو صلة بن زُفر) لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلاّ الله، وهم لا يدرون ما صلاةٌ ولا صيامٌ ولا نُسكٌ ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثلاث مرات، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: (يا صلة، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار)، ثلاثًا.
وهذا يدل على أن من أنكر معلومًا من الدين بالضرورة جهلاً لا يكفر بذلك، وإلاّ فأي شيء أيقن من أركان الإسلام: الصلاة والزكاة والصيام والحج، ومع ذلك من كان جاهلاً بها لا يكفر بذلك.
ولا يكفر المنكِر للمعلوم من الدين بالضرورة مطلقًا إلاّ فيما ينقض الدلالة اللغوية الصريحة للشهادتين: كمن يشهد الشهادتين، ومع ذلك يعتقد إلهًا وربًّا مع الله تعالى، فهذا هو الذي يُـكَـفَّر بغير إعذار بجهل، كما كان يقول أهل الجاهلية في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك، إلاَّ شريكًا هو لك، تملكه وما ملك)!
وما استطال التكفيريون بشيء أكثر من استطالتهم بمثل ذلك الإطلاق الذي جاء في البيان، فكل طائفة تكفيرية تكفر غيرها بحجة أنهم أنكروا معلومًا من الدين بالضرورة، دون النظر في حال المنكِر، هل كان عالمًا بما أنكره، أم كان جاهلاً (جهلاً بسيطًا أو مركَّبًا).
ولو كان بيان مجمع الفقه قد قال: (ولا يُنكر معلومًا من الدين بالضرورة، مع التيقن من كونه عالمًا بيقينية ما أنكره)، لكان البيان بهذا القيد أولى بالصواب. لكن البيان لا يقبل إضافة هذا القيد الصحيح أصلاً؛ لأنه يتكلم عن الجماعات (فئة) التي تُنكر معلومًا من الدين بالضرورة، والفئة التي تشهد الشهادتين لا يمكن تكفيرها حتى بذلك القيد؛ لأن القيد يوجب التثبت من كل فرد منها: هل كان عندما أنكر المعلوم من الدين بالضرورة عالمًا بكونه معلومًا بالضرورة أم لا؟ ولا يمكن بهذا القيد تكفير جماعة من المسلمين دفعة واحدة!!
ولا شك أن تغيير القناعة حول هذا الخطأ الشائع يحتاج العديد من المناقشات، لكني أرجو أن أكون قد أعنت بشيء من ذلك بهذا المقال المختصر.