هذا الأسبوع مضت ثلاث سنوات على نشر هذا الخبر الصغير الذي لم يتخيّل أي أحد مدى أهميته وتأثيره.
عود كبريت صغير أشعله رجل مجهول:
البعض قال إنه « أضاء » المنطقة، والبعض الآخر يرى أنه « أحرقها »!
لم يتخيّل أكبر المتشائمين/ أوالمتفائلين، أن ضوءه/ أو حريقه سيمتد لكافة الجهات.
يقول الخبر:
قام اليوم ( الجمعة 17/12/2010م) شاب تونسي اسمه محمد البوعزيزي بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بو زيد احتجاجاً على مصادرة السلطات في بلدية المدينة لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، وللتنديد برفض سلطات المدينة قبول شكوى أراد تقديمها ضد الشرطية فاديه حمدي التي صفعته أمام الملأ ، وقالت له: ارحل.
صارت « ارحل » شعاراً للثورات ( أو قل: انتفاضات الغضب ) العربية.
صار اليوم الذي أحرق نفسه فيه « الجمعة » يوماً مفضلاً للاعتصامات والمظاهرات.
(1)
لو خرج البوعزيزي من قبره، ونظر إلى المشهد العربي لأصابه الذهول مما يحدث – ومما حدث – ومما سيحدث ، ولقال باستغراب كبير: يا إلهي.. هل فعلت كل هذا؟!.. وسيدخل بعدها في غيبوبة طويلة من هول الصدمة!
تعالوا لنتخيّل اختلافاً بسيطاً في المشهد :
يذهب البوعزيزي إلى قسم الشرطة ، تستقبله الشرطية بابتسامة طيبة بدلاً من صفعه على وجهه ، يأمر المسئول بإعادة عربة الخضار إليه ... انتهى المشهد .
ما الذي سيحدث ؟.. هل ستشتعل الثورة وتمتد نيرانها إلى جهات عربية أخرى؟..
هل ستغيّر عربة التاريخ وجهتها باختلاف وجهة عربة خضار البوعزيزي ؟
هل اختلاف أبطال المشهد ( البوعزيزي / عربة الخضار / الشرطية ) سيجعل المشهد يتغيّر تماماً ؟
الحقيقة : أن عربة التاريخ لن توقفها ابتسامة الشرطية ، ولطف المسئول الاستثنائي .
الحقيقة : أن الزمن تغيّر ، وأدواته تغيّرت ، ووسائل التعبير تغيّرت ، وكبرت الفجوة بين الدولة العربية ومواطنيها . ( هذا إذا اتفقنا أن الدولة العربية « دولة » ورعاياها « مواطنون » بما تعنيه الكلمة!).
الحقيقة : أنه ليس بإمكان أي أحد أن يقف في وجه السنن الكونية ، ولا تستطيع كل الحُفر و( المطبات ) التي تملأ الشوارع العربية أن تُوقف العربة أو تغيّر مسارها .
الحقيقة : أنه سيأتي ( بو عزيزي ) آخر – وباسم مختلف – ليشعل الشرارة الأولى ، والتي ستمتد نارها لشوارع عربية أخرى قابلة للاشتعال !

(2)
الربيع العربي لم ينجبه الوعي، بل وُلد من رحم الغضب..
لهذا: كان طفلاً غير مكتمل النمو!

(3)
أوّل مَن استخدم تعريف «الربيع العربي» لوصف ما يحدث في عالمنا العربي هي وسائل الإعلام الغربية. التعريف لم يكن جديدًا.. بدأ أوّل مرة مع محاولات تشيكوسلوفاكيا عام ١٩٦٨م للتخلص من سيطرة وتحكّم الاتحاد السوفييتي، وسُمّي في وقتها «ربيع براغ»، وكانت بدايته في عز الشتاء -بالضبط مثلما حدث مع الربيع العربي- فلا علاقة للفصول العادية التي نعرفها بالوصف: الحرية تختار فصولها كما تشاء، ويشاء الأحرار.
ربيع براغ: انتهى بعد ثمانية أشهر بعد أن سحقته الدبابات السوفيتية.
الربيع العربي: سحقه الجهل، والمال، و«ثقافة الاستبداد».. التي لا تسقط بسقوط المستبد.
(4)
لن يكون هناك ربيع على الأرض، إن لم يزهر ربيع العقل.

(5)
أغلب الشعوب العربية كانت تصرخ في الميادين: الشعب يريد إسقاط (النظام)..
أليس من المفترض أن تكون الصرخة بهذا الشكل: الشعب يريد إسقاط (الفوضى)؟!
- سيقول أحدهم: لعل (الفوضى) المقبلة أرحم من (النظام) العربي!
أحياناً ..
الفوضى : شكل من أشكال النظام السريّة.
النظام : شكل من أشكال الفوضى المعلنة!

(6)
سقط بن علي، سقط مبارك، سقط القذافي، سقط علي عبدالله صالح، : وماذا بعد؟
الأهم من سقوط « المستبد » هو سقوط « ثقافة الاستبداد » التي أنتجته ..
طالما هي موجودة، ستنتج غيره بأشكال وطرق وعناوين مختلفة!
هل سقطوا بسبب تراكم الغضب، أم بسبب تراكم الوعي؟
انظر حولك: ستجد أن الذي شارك بنزع المستبد القديم مشغول الآن بصناعة مستبد جديد!
(7)
مضت ثلاث سنوات على إشعال عود الكبريت الأول، وما يزال الدخان يتصاعد من كافة الجهات، وما يزال هناك جمر تحت الرماد.. ثلاث سنوات فيها الكثير من الدم والفوضى، والقليل من الوعي والحريّة.
عود كبريت « أشعل » الغضب، ولكنه هل « أضاء » الوعي في عتمة الجهل والتخلف؟
هل انتهى الربيع العربي؟.. أم أنه لم يُولد أصلاً، وكل ما حدث لم يكن سوى حمل كاذب؟!
هناك عبارة تُنسب لرئيس وزراء تشيكوسلوفاكيا الذي أطاح به الروس في « ربيع براغ » .. يقول فيها:
قد تستطيع أن تطأ الأزهار .. لكنك حتماً لن تؤخر الربيع!

twitter : alrotayyan