الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
فهذه سطور أكتبها تعقيبا على ما ورد في المقالين المنشورين في ملحق جريدة المدينة الصادرة بالمملكة العربية السعودية في يومي: الجمعة بتاريخ: 6/ 12/ 2013م ، و13/ 12 / 2013م والمنسوبين إلى الأستاذ الدكتور الشريف حاتم العوني. وقد جاء المقال الأول منهما بعنوان: (تكفير طوائف المسلمين بين الواقع وبيان مجمع الفقه الإسلامي)، وقد جاء المقال الثاني بعنوان: (التكفير بإنكار المعلوم من الدين بالضرورة). وقد أورد الكاتب المقالين تعليقا على ما جاء في توصيات قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم: 202 (8/21) الصادر بشأن الحوار بين أتباع المذاهب الإسلامية.
وقد أورد في المقال الأول ما نصه:
« وقريبا عُقد مؤتمر لفقهاء مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وجاء في بيانه الختامي هذه العبارة- كما نشرته الصحف- «تحريم تكفير أي فئة من المسلمين تؤمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتؤمن بأركان الإسلام، وأركان الإيمان، ولا تنكر معلومًا من الدين بالضرورة، وحرمة دماء المسلمين باختلاف طوائفهم، وتحريم الاقتتال بينهم مطلقا».
ثم أورد جملة من الاتهامات إلى السادة العلماء أذكر بعضًا منها:
- « ولا تستعجبوا من ضياع صوت العلم المتجرد بين أصوات العلماء وضجيجهم في دعواتهم إلى النضال (الطائفي)!!»، بل لا تستغربوا إن أصبح الصوت المسموع للعلماء هو وَقود التكفير الطائفي في كثير من الأحيان، وإذا كانوا هم أنفسهم دعاةَ عدم التعايش، وليس العامة والأتباع كما يُشاع دائما...»
- وأضاف: وقد يظن غير العالم أن هذا البيان بيان إيجابي في منع التكفير بغير حق، وقد يشيد به الجاهل بواقع معاركنا العقدية عبر تاريخنا الإسلامي ...، وقد يُقدّم فقهاءُ المجمع هذا البيان للسياسيين على أنه إنجازٌ منهم في منع التكفير بغير حق! وقد يُصدّقُ السياسيُّ هذه الخدعة العلمية والحيلة الفقهية ...، وكيف لا يصدق السياسيون هذه الخدعة، وهي بيان نتج عن اجتماعٍ لفقهاء العالم الإسلامي، وجاء مدعيا مقاومة التكفير بغير حق؟»
- وأضاف أيضا: ولكن الواقع أن نص هذا البيان هو تقرير لواقع التكفير بكل قبحه وأخطائه! نعم هو كذلك بكل وضوح وصراحة!! ....
- ثم عقب بالقول: «ولذلك فإني أتحدى أن يكون لهذا البيان أي أثر واقعي في التقليل من التكفير بغير حق، لا لكونه بيانا لن يُفعَّل (كما سيُدّعى)، ولكن لأنه ليس فيه إلا تقرير الواقع بكل سَوْءاته وشناعاته! فكيف يُغيّر الواقع، وهو يقرره؟!!». هذا بعض مما أورده الكاتب في المقالين.
وأقول: إنه رغم وضوح ما ورد في توصيات القرار ودلالتها على المراد، إلا أنه لما قد تبين أن قد يستعصى فهمها على البعض، أكتب هذه السطور زيادة في التوضيح.
هذا ومن يمعن النظر في المقالين يخلص إلى:
-أنهما يتمحوران حول: (استثناء منع التكفير بإنكار المعلوم من الدين بالضرورة).
-أن الكاتب قد انتزع جملة: (ولا تنكر معلومًا من الدين بالضرورة) من سياقها في توصيات القرار وعلق عليها.
-إن المقالين يتحاملان على مكانة أهل العلم، ويحاولان تسفيه كلامهم، ووصمهم بالتحايل والتزلف إلى آخر ما أورده الكاتب إليهم من التهم.
-أن الكاتب لم يسق دليلا على صحة ما يدعيه، سوى رفضه لكل كلام لا يتفق مع ما يراه حسب ما يوصله إليه علمه وفهمه.
وقبل أن أجيب على ما ورد في المقالين، أود أن أشير إلى أمر وهو إنني لن أتطرق إلى ما ورد في المقالين من تحامل لأهل العلم، واتهامهم بما ليس فيهم، إلى آخر ما ذكره الكاتب في حقهم، إنما سأحاول أن أوضح ما ورد في توصيات القرار لدحض ما ذكره الكاتب.
أما جوابي على ما ورد في المقالين فيتلخص في الأمور الآتية:
أولا: إن قرار المجمع ليس موجهًا إلى فئة معينة من المسلمين إنما هو موجه إلى كل المسلمين، مبينا لمن لا يعلم منهم حكم تكفير المسلم وحرمة دمه.
ثانيا : إن جملة: «ولا تنكر معلومًا من الدين بالضرورة» التي هي محل تعليق الكاتب والتي تمثل الاستثناء من منع التكفير، واردة في القرار بمثابة الضابط للحكم بالكفر، وأنها لم ترد فيه منفصلة، وإنما جاءت متصلة بما قبلها في سياق التعريف بالمسلم، مبينة أن المستثنى (وهو من لا ينكر معلومًا من الدين بالضرورة) من جماعة المسلمين وليس من غيرهم، وأن اجتزاء الكاتب لهذه الجملة من سياقها فيه محاولة لإيهام القارئ الكريم بما يريد الوصول إليه من إلصاق تهمة الخطأ بالقرار، وأن فقهاء المجمع دعاة تكفير وأنهم ييسرون إمكان إلصاقه بأي شخص.
ثالثا: إن المراد بالمعلوم من الدين بالضرورة هو ما اتفق عليه علماء الأمة وأجمعوا على حكمه، مثل: فرضية الصلاة والزكاة، وحرمة الزنا والربا...الخ، وليس المراد ما هو محل خلاف بينهم، وإنه لا يثبت في حق أحد من المسلمين إلا إذا كان عالمًا به غير متأول فيه، وأن تبلغه الحجة على ذلك ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر، وقال في مجموع الفتاوى: وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة.
ومن ثم فإن إيراد هذا الضابط في القرار لا يساعد على إباحة التكفير كما زعم الكاتب إنما يضبط القرار، وإن من يحكم بأن هذه الفئة من المسلمين أو من غيرهم هم العلماء وليس غيرهم، ممن لا يملكون الأدوات على ذلك.
رابعا: إن اتهام البعض للبعض بالكفر بسبب التأويلات الخاطئة للنصوص لا يعني كفر المتهمين به، لأن هذا الحكم لا يكون إلا لأهل العلم كما سبق، وقد قرر العلماء أن من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله هو المسلم، وأن هذه الصفة لا تزول عنه إلا بالكفر الصريح الذي لا يقبل التأويل، ومن ثم فليس من السهل الجرأة على نزعها عنه بالتشكيك وقول البعض، لأن الإسلام بالنسبة له قد صار يقينا وهو لا يزال بالشك كما قرر الفقهاء.
خامسا: إن تمني الكاتب لو أن القرار قد اشترط كون المنكر للمعلوم من الدين بالضرورة عالم بما أنكره... الخ ما أورد بقوله: « ولو كان بيان مجمع الفقه قد قال: (ولا يُنكر معلومًا من الدين بالضرورة، مع التيقن من كونه عالمًا بيقينية ما أنكره)، لكان البيان بهذا القيد أولى بالصواب. لكن البيان...».
يجاب عليه بأن اشتراط العلم من البديهيات التي لا تحتاج إلى تنصيص عليها، وفي علمي أن الكاتب من المنسوبين لأهل العلم، ومن ثم فهي أوضح من أن ينص عليها، كما أنه يؤكد افتقار المقال إلى الدليل فيما ذهب إليه.
ومعلوم كذلك أن هذه القرارات بنصوصها ودلالتها موجهة إلى أهل العلم وليس غيرهم وما أراد الكاتب اشتراطه هو عندهم البديهيات.
سادسا: إن القول بأن: « تكفير منكِر المعلوم من الدين بالضرورة بهذا الإطلاق سيكون سببًا في تكفير البعض من المشهود لهم بالورع والتقوى من الصحابة، واستشهاده على قوله بما ورد عن بعض الصحابة من إنكارهم لبعض الأحكام الشرعية، كإنكار قدامة بن مظعون - رضي الله عنه-، لتحريم الخمر، وإنكار بعضهم قرآنية المعوذتين ...، وأنه مع ذلك لم يكفرهم أحد بإنكار معلوم من الدين بالضرورة، خلافًا لإطلاق ذلك البيان المنتقَد».
يجاب عليه بأن هذا الاستشهاد ليس في محل النزاع، لأنه من المعلوم وكما سبق لا يكفر إلا من يكون عالما بالحكم الشرعي غير جاهل به، أومتأول فيه، ومن الثابت عن العلماء أن هذه المرويات التي ساقها الكاتب ليست مسلمة إنما هي محل لعدم العلم والتأويل.
سابعا : إن قول الكاتب: « وقد يظن غير العالم أن هذا البيان بيان إيجابي في منع التكفير بغير حق، وقد يشيد به الجاهل بواقع معاركنا العقدية عبر تاريخنا الإسلامي، والتي سُطرت صولاتها وجولاتها في كثير من كتب العقائد والفقه، لا على هيئة معركة عقدية (كما كان واجبا أن يكون)، بل على هيئة تقريرات علمية، وهي غير علمية بالمرة!
وقوله : « قد يُقدّم فقهاءُ المجمع هذا البيان للسياسيين على أنه إنجازٌ منهم في منع التكفير بغير حق! وقد يُصدّقُ السياسيُّ هذه الخدعة العلمية والحيلة الفقهية ....وكذلك قوله : وكيف لا يصدق السياسيون هذه الخدعة، وهي بيان نتج عن اجتماعٍ لفقهاء العالم الإسلامي، وجاء مدعيا مقاومة التكفير بغير حق؟!»
إن هذا الكلام يدعوني إلى القول لا أقول بأن الكاتب قد ناقض نفسه فقط إنما أقول قد أجاب بنفسه على نفسه : فإذا كان غير العالم يظن أن هذا القرار إيجابي، وأن الجاهل بواقع معاركنا العقدية على حد قوله قد يشيد به، وأن السياسي مصدق لما ورد فيه. يكون القرار قد وصل إلى المخاطبين به وأن العلماء قد حققوا ما يريدونه، وأنه لم يبق من المخاطبين به إلا من لم يحسنوا الظن به وهم فئة قليلة أرجو أن لا يمثل الكاتب أحدهم، وهؤلاء كلهم مدعوون إلى أن يعيدوا النظر في القرار مرة أخرى بمنظور أهل العلم ومنظور حسن الظن عسى أن ينخدعوا بما ورد فيه ولا يقعوا في التكفير.
وعلى هذا أقول للكاتب الكريم :
- إن مجمع الفقه الإسلامي الدولي مؤسسة فقهية وإنه منذ نشأته يحارب التكفير منذ أن نبتت نابتته في هذا العصر، وإنه محل ثقة المسلمين، ومن يراجع قراراته يعلم ذلك، وعليه فليس من الإنصاف اتهامه بإباحة التكفير.
- إن الخطأ وارد في أي عمل بشري أيا كان القائم به عالم أم غيره، وأن حسن الظن بالمسلمين واجب ما أمكن، وأن الخطأ الأعظم هو سوء الظن بالعلماء ومحاولة التشهير بهم، ووصفهم بأوصاف يراد بها النيل من عدالتهم وأمانتهم.
- إنه على فرض خطأ قرار المجمع فإن الوقوع في الخطأ لا يبيح التشهير ولا اتهام المخطئ بالتحايل والتزلف وغيرهما، لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن من اجتهد وأصاب له أجران وأن من اجتهد وأخطأ له أجر.
- إن الفقهاء الذين أصدروا القرار ليسوا فقهاء لمجمع الفقه الإسلامي الدولي وفقط إنما هم فقهاء للمسلمين جميعا، وإنهم يمثلون سائر المذاهب الإسلامية من: السنة والشيعة والإباضية، ولم يقل أحد منهم إن القرار يبيح التكفير، كما أنهم ليسوا دعاة للتكفير وعدم تعايش كما ذكر الكاتب، بل هم يجتهدون في النوازل والمستجدات، لاقصد لهم ولا غاية إلا الوصول إلى الحق، معتمدين في ذلك على ما ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، وتحقيق مقاصد الشرع الحكيم.
- وختاما أقول: إن قرار المجمع واضح في عباراته وإشاراته ودلالاته على المراد، وإنه يحمل في طياته رسالة واضحة إلى المسلمين عالمهم وجاهلهم مفادها: حرمة تكفير من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وحرمة دم كل من ينطق بالشهادتين، وأرجو أن تترفع هذه الكتابات وأمثالها عن الطعن في العلماء، والتي هي محاربة لمن لهم سامي المكانة وعالي المنزلة في المجتمعات الإسلامية، وإنه إذا لم يكن كلام هؤلاء العلماء محل ثقة بين المسلمين، فكلام من يكون محلا لها، وإن من يتعمد الإساءة إلى العلماء ومن يشكك في كلامهم، سوف يسيء الظن بأي شيء كما أنه سوف يشكك بكل شيء لا يمنعه من ذلك مانع. أرجو أن أكون قد وضحت الغاية مما ورد في القرار، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

د. أحمد عبد العليم أبو عليو
مدير إدارة الدراسات والبحوث مجمع
الفقه الإسلامي الدولي