طالب الشاعر إبراهيم بن حسين زولي بإعادة فتح ملف الصراع حول الحداثة في الثمانينيات للجيل الحالي الذي يعيش الانفتاح الفكري والثقافي، ليقف على حجم المعاناة عاناها كثير من كتاب القصيدة الجديدة وهم يتلقون الضربات تحت الحزام، مشيرًا إلى أن النزال الذي دار حول الحداثة في تلك الفترة مع التيار الراديكالي «المتشدّد» لم يكن نبيلاً، مبينًا أن الشعر لم يكن خارج المعركة، من حيث التعقب والترصد ومحاولة اقتياده نحو مكان مجهول.. كذلك امتدح زولي شبكة التواصل الاجتماعي في هدمها هدمت تلك لوثنيّة طقوس الإبداع المتوهمة، مؤكدًا أن كتابة الحالات الطازجة على تويتر كشفت أنه لم يعد للوحي والإلهام مكان يذكر في خارطة الإبداع.. زولي تحدث عن تجربته في هذا الحوار. وكشف عن أسباب انتقاله لعالم قصيدة التفعلية هروبًا من القصيدة العمودية، وموقفه من نقاد تجربته، ورؤيته للقرية من منظور شعري، وغير ذلك من محاور عديدة ضمها هذا الحوار..
التجريب الشعري
* نفسك الشعري يركض بين القصيدة العمودية والتفعيلة.. فأيهما الأقرب إليك؟
حين بدأت بكتابة القصيدة العمودية، كنت كمن يستوقد نارًا من الصخر؛ حيث البحور الخليلة والأوزان والقوافي، والزحافات والعلل، مؤمنًا أن القصيدة لا بدّ أن تغتسل بينابيعها الأولى، لا أن تحرق المراحل، ثمّ تنفرط بين يديك في آخر المطاف. قرأت قديم الشعر وحديثه. منذ البدء وأنا أحلم بكتابة نصّ يمثّلني، ويمثّل في الآن مرحلته وزمنه، لا أن يتنفّس من فم أمرئ القيس، ويلتحف عباءة المتنبي، ويستعير تجارب الآخرين. كتبت الكثير من القصائد العمودية التي مثّلت ببعضها الوطن في مهرجانين أحدهما خليجيّا والآخر عربيًا، عقب ذلك فطنت إلى أن الذهاب بعيدًا في هذا الشكل سيجعلني أكرّر خطابي، واستنفد لغتي، فاتجهت إلى كتابة النصّ التفعيلي في محاولة لاكتشاف مناطق أخرى، وآفاقا لم تمسسها أدواتي من قبل، وأصدرت عدة دواوين. في هذه الأيام أشتغل على ديوان قصيدة نثر؛ نشرت معظم نصوصه في صحف ومجلات عربية، كالسفير اللبنانية، والقدس العربي، ومجلة الغاوون، ومجلة الكلمة، ونزوى العمانية، وصحيفة الحياة. الشاعر مسكون بالتجريب، والمغامرة، لزامًا أن ينفض الغبار الذي يعلق به بين فترة وأخرى، لا يفضّل الإقامة تحت سقف واحد، أو شكل لا يطاله التغيير والتبدّل.
* تجربتك مع قصيدة التفعيلة تبدو متميزة.. ما الذي ساعد على تكوين هذه الخبرة المتراكمة؟
تهمة لا أدفعها، وشرف لا أدّعيه كما يقال. لكن «بصفة عامة» كلّ تجربة ثريّة يقف وراءها كمّ هائل من القراءة والتأمل، بحث مضن ودؤوب عن شمس تتخفّى في أروقة الذاكرة. لا أراهن على شيء سوى أن أكتب نصّا مختلفا، نصّ أهجس به في كلّ آن، في السرّ والعلن، في العشيّ وفي الضحوات. لسبب بسيط هو أنني لا أعرف شيئا أحترم به نفسي سوى الكتابة.. كما أن الألم والمكابدة هي التي تفتح الجرح على بابه الواسع، والحشود الهائلة من الذكريات، وعوالم الطفولة التي لم تجفّ دهشتها في دمي بعد، والإعلاء من شأن التفاصيل الصغيرة، والرصد اليومي والمعاش، وربما يكون كتابًا أو نصّا مفارقًا هو المحرّض على الكتابة، لا سبيل لنا إلاّ أن نرفع أصواتنا جهرة بالقصيدة، لتنبت شجرة خضراء اسمها الحياة، ولو كانت على الورق فقط.

هدم الوثنية
* هل لازلت عند رأيك بأن «الشِّعْر صِناعة»؟
هذ القول ليس بدعًا، وليس وليد اللحظة الراهنة، فقد قال به أبوهلال العسكري «المتوفى سنة 395 للهجرة» في كتابه المهم الصناعتين: الكتابة والشعر، وللكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس كتاب عنوانه «صنعة الشعر» وهي سلسلة محاضرات في جامعة هارفرد. وما تلاحظه أن شبكات التواصل الاجتماعي هدمت تلك الوثنيّة التي كانت تستعبدنا، من أن حالة الإبداع شيء أشبه بالوحي ينتظره الشاعر آناء الليل وأطراف النهار، وأن هناك طقوسًا يتوهّمها المبدعون للكتابة؛ وما يتراءى لنا أن في زمن الشذرات، وقصائد الومضة، وكتابة الحالات الطازجة على تويتر، لم يعد للوحي والإلهام مكانًا يذكر.

سؤال مسعور
* هل تعتقد بأن القصيدة الحديثة لديك قد وصلت إلى شكلها النهائي بعد ستّ مجموعات شعرية؟
يحفر الشاعر ضريحه بيديه، إذا ما ارتأى مثل هذه القناعة، وفي مثل هذه الحالة يكون قد خاط بيديه كفنه الشعري، وولّى إلى غير رجعة. الشاعر الحقيقي في قلق دائم، وسؤال مسعور لا يكفّ عن ترديده، غير مطمئنّ لشكل ثابت، أو لغة وحيدة، وعليه إذا ما أراد أن يكون شاعرًا أن يخجل إذا ما قرأ المنجز الإبداعي في المشهدين العربي والعالمي، حينذاك سيعرف أنه أعزل في مدن الشعر المضاءة بالكلمات.

فناء شعري
* كيف تكون البيئة مرآة لحياة الشاعر؟
من يمتلك تفاصيل المكان، ومفرداته الحميميّة يحمل في شرايينه أرضًا وشعبًا من سلالته، ويعبر - بثقة - ظلمة الرؤيا التي افترست الكثير من الشعراء، شعراء لا نستدلّ على وجوههم الحقيقية، هم أشبه بالمهرّجين، ونصوصهم بلا لون ولا طعم ولا رائحة.
* تتوفر في شعرك دلالات عدة مرتبطة بالبيئة التي حولك، ما مدى تغلغل هذه البيئة في وجدانك؟
كما قلت لك سابقا أنا في سعي حثيث ألا يكون النصّ غريب الوجه واليد واللسان، أودّ أن أكون أنا، لا وجه جلّادي، ويد قاتلي، أريد نارًا بليغة، لا نارا مترمّدة آيلة للمحو والفناء.

كنز كامن
* القرية مرتكز في القصيدة.. في أي زاوية من زوايا تجربتك تسكن؟
القرى لم تعد قرى، ولم تتحوّل إلى مدن بالمفهوم الواسع للكلمة، هي بين بين، في منطقة رماديّة بين الأبيض والأسود، كائن شبحيّ لا نستدلّ عليه، ولا يستدلّ علينا، قرى تشيح بوجهها عنا كلّ صباح مخافة أن نكشف زيفها وضلالها.. القرية التي تسكنني، قرية من لغة وكلام مصفّى، قرية في خرائط المخيّلة، قرية يلوذ بها الشاعر من صخب جهنمي يضجّ في رأسه، قرية تسكن الكتب المستريبة، والتضاريس المارقة. والعزاء «لنا نحن أبناء القرى» في هذا الزمن كلنا نعيش في قرية واحدة في هذا الفضاء الإلكتروني، هذا الفضاء الذي أسقط معادلة المتن والهامش، وهشّم نظرية المركز والأطراف.. ولكلّ شاعر له معجم خاص، وثيمات تظهر بجلاء في معظم نصوصه من البدء للمنتهى، ومفردة القرية حاضرة في بعض نصوصي، ولا يزال في نفسي شيء منها، لديّ يقين مستحكم أنها كنز كامن بالشعرية؛ في عوالمها السحرية، وفضاءاتها الرحبة، في ظنّي أنها لم تستثمر بما فيه الكفاية، ولما تزل مثقلة بالدلالات والايحاءات في كلّ أحناس الكتابة، وليس القصيدة فقط.

ذهنية المتلقي
* الاختزال والتكثيف في قصيدتك.. ألا تخشى أن يؤديا إلى انصراف القارئ عنها؟
الاختزال هو المصباح العالي للشعر، وهو ما يفرّق بينه وبين التقارير الإخبارية، وتكثيف المعنى يشحذ وعي المتلقّي لهندسة معنى آخر، وإيقاظ الفتنة النائمة في القصيدة، بالتكثيف والاختزال الواعي يصبح النص أقلّ موتًا، وأكثر ديمومة وخلودًا. وكأنه هو المراد من قول أبي نواس:
يزيدك وجهه حسنا .. إذا ما زدته نظرا.
* ما بينك والقصيدة مساحة تقترب وتبتعد من المعنى الذي تحاول إيصاله.. ما سبب ذلك؟
ليس لي معنى جاهز أحاول إيصاله للمتلقّي، ولم يعد يغويني سؤال المتلقي في الذهنية التقليدية التي تريد مني أن أخرج تلك العصا السحريّة لأمنحه شيئا لا يعرفه من قبل؛ لست لاعب سيرك، ولا مفسّر أحلام، ذلك الإرث الذي يحمله الشاعر الحاوي صار محض ذكرى.


نقد ضبابي
* بعض ناقديك يرى أن ممارستك للعبة البلاغية الذهنية تدخلك في فصام شعري.. ما قولك؟
احترم كلّ ناقد يتعاطى مع تجربتي نقديّا، وكلّ رأي سلبًا أو إيجابًا له عندي أهميّة خاصة، وهذا القول مجتزأ من قراءة طويلة فيها من الإشادة الكثير للناقد جورج جحا في وكالة رويترز، وحتى لو كان في هذا القول شيء من الضبابية إلا أن له احتراما كبيرا عندي.

صراع الحداثة
* تدعو إلى مراجعة فكرية ونقدية لمرحلة سابقة.. ما هذه المرحلة وكيف يكون مراجعتها؟
أدرك جيّدا أن الكثير من شباب هذه المرحلة، وهم يعيشون هذا الانفتاح الفكري والثقافي لا يعلمون كثيرًا عن ظروف وسياقات مرحلة منتصف الثمانينات وما تلاها، حين تلقّى الكثير من كتاب القصيدة الجديدة ضربات تحت الحزام، ولم يكن نزالا نبيلا مع التيار الراديكالي «المتشدّد» آنذاك لكن مراجعة فكرية ونقدية لهكذا مرحلة من تاريخنا الثقافي باتت ضرورة ملحّة لمعرفة أين كنا، وماذا أصبحنا. لأنّ للتاريخ دروس وعبر، والجروح يطهّرها الكي.
* تقر بأن جيلك فشل في تلك المرحلة.. ما هي ملامح هذا الفشل؟
الفشل يكمن في أن الظرف الاجتماعي والسياسي لم يكن مواكبا لهكذا جدل وسجال، ناهيك عن لحظة تاريخية كان خطاب واحد هو المهيمن على كلّ مفاصل الإعلام، بل إن كتابا كـ»الحداثة في ميزان الإسلام» قام بعض المثقفين السعوديين بالردّ عليه في صحف خارج الوطن. لك أن تتخيّل أيّ مناخ كان مهيّأ لحوار صحّي آنذاك، وهذا أحد شواهده.
* هناك بعض الإيحاءات حول هذا الشعور في شعرك، هل هو تأكيد لإقرارك بالهزيمة والفشل؟
الشعر لم يكن خارج المعركة، ظلّوا يتعقبونه، ويترصدون خطواته، وكانوا ينتظرون الوقت المناسب للظفر به، واقتياده نحو مكان مجهول، غير أن الشعر كان في صعوده الأبدي، متعاليًا على الهشيم، وينقل للأجيال اللاحقة عدوى الأغنيات.

تندر وفكاهة
* وهل واجهك شيء من ذلك الصراع مع إصداراتك الشعرية؟
لست ممن يحبذون المتاجرة بالألم، غير أنني لا أذكر أن أحدا كتب نصّا خارجا عن السائد، ومفارقا للمألوف كان بمنجى من التهم والتأويل الخبيث. كانت لي قصيدة وظّفت فيها اسم شقيقي الأصغر محمد، فقام بعض حراس النوايا بتأويل ذلك أنني أقصد الرسول عليه السلام، ونص آخر لي عنوانه «التهامي» فاجأني أحدهم ذات مرة يقوله إنني أقصد الرسول لأنه تهامي، وغير ذلك من المواقف التي أصبح مجرد ذكرها مثالا للتندّر والفكاهة.
* ما بين طباعة دواوينك الشعرية على حسابك الشخصي أو عبر المؤسسات.. أيهما أجدى؟
الطباعة على المستوى الشخصي، وبحث الشعراء السعوديين عن دور نشر عربية هم أشبه بالأيتام على مأدبة اللئام، إشكالية المبدع في المملكة وفي الوطن العربي بصورة عامة أنه هو من يكتب نصوصه، وهو من يراجعها ويدققها إملائيًا ولغويًا ونحويًا، وهو من يذهب للتعاقد مع دور النشر وهو من يقوم بتوزيع عمله، وهو بالطبع من يدفع من قوته ثمن الإصدار. هذه حالة لا تحترم الكتابة، ولا تقيم شأنا للكاتب. الطباعة في الأندية الأدبية قبل النشر المشترك مع دور النشر العربية كانت مأساوية مع بعض الاستثناءات، حيث يحمل المؤلف كتبه من النادي في كراتين مغلفة ليضعها في منزله حتى تتآكل. ينبغي على وزارة الثقافة والإعلام أن تنهض بدورها المأمول تجاه الكتّاب والمبدعين، وتجاه الكتاب أولاً وأخيرًا، كما تفعل دول مجاورة أقلّ منا دخولاً.

خاص وعام
انقطعت ما بين عامي 1999 و2006 عن إصدار شيء، ما سبب هذا الانقطاع؟
هذا الانقطاع كانت له أسباب خاصة وعامة؛ على المستوى الشخصي كان موت أبي، وبعده بفترة بسيطة موت أمي جحيما زلزل ممالك الروح، ودعا الوحشة لضيافة طويلة الأمد، يومئذ طارت نوارس الكتابة، دون أن تلقي حتى تحيّة الوداع، وبالمقابل كانت هناك حالة عامة من التردّي الذي أصاب الوسط الأدبي إذ صمت أغلب الشعراء، وتعرضوا لأقسى أنواع الهجوم الشخصي وليس تجربة محمد الثبيتي بغائبة عن كثير من راصدي المشهد في تلك الفترة، إلى أن جاء الربيع الثقافي متزامنا مع معرض الرياض الدولي للكتاب 2006، وعاد الشعراء مخفورين بالمطر، والشجر الفصيح.
بعد 6 مجموعات شعرية، هل تنوي ضمها وإصدارها مستقبلًا في مجموعة شعرية كاملة؟
لا زلت في البدايات، ولو تذكر أن الشاعر محمود درويش في ديوانه السابع سمّاه «محاولة رقم 7» وكأن ما سبق من أعماله مجرد محاولات فكيف بنا نحن الذين لم نزل نتهجّى فواصل الكلام، ولم نقبض بعد على الجمرة الغامضة.

دعوات شخصية
المشاركات الخارجية المتكررة لك، هل تحظى بدعم من المؤسسات الثقافية في المملكة وخاصة وزارة الثقافة والإعلام؟
شاركت في مهرجان الشباب الخليجي الثالث في أبها، وفي مهرجان الشباب العربي السابع في الخرطوم، المشاركتان كانتا في عام 1987 حين كانت الرئاسة العامة لرعاية الشباب قائمة على شؤون الثقافة، ومنذ ذلك التاريخ لم أتلقّ دعوة من وزارة الثقافة والإعلام للمشاركة في وفد رسمي يمثّل المملكة، وكلّ مشاركاتي في معرض القاهرة الدولي للكتاب، أو في دمشق بمناسبة القدس عاصمة للثقافة العربية، أو في مهرجان الشعر العربي الحديث في تونس كانت بدعوات شخصية.

تطلعات عاجلة
* وكيف تقيّم دعم هذه المؤسسات للأديب والمثقف السعودي بشكل عام؟
المؤسسات الرسمية لدينا ممثّلة في وزارة الثقافة تقوم بجهد جبّار تشكر عليه، ولكن الكاتب والكتاب بحاجة إلى اهتمام أوسع، فمجلس أعلى للثقافة بات أمرا ملحّا، وإعادة جائزة الدولة التقديرية للمشهد الأدبي يجب ألا يتأخر كثيرا، وتفريغ المثقف، وصندوق الأديب، وإعادة النظر في المشاركات الخارجية. هذه بعض من هواجس وآمال المثقفين التي يتطلعون إليها منذ فترة ليست بالقريبة.