بدر.. مدينة شهرتها تغني عن تعريفها، تقع في نهاية وادي الصفراء ما بين المدينة المنورة وساحل البحر الأحمر، وهي إلى الساحل أقرب، وقد أخذت شهرتها من غزوة بدر، حيث كانت غزوة بدر كمالًا، كاكتمال البدر، لأن أصل البدر: الامتلاء، يقال غـلام بدر.. إذا كان ممتلئًا شبابًا من تمام البدر واكتماله وامتلائه، وهو المكان الذي أراد الله بتدبيره وتوجيهه أن تقع فيه، اتسعت على المكان لتشمل الأرض وتخلد قرآنًا يتلى، وسلوكـًا يلمس ويرى، واتسعت في الزمان لتشمل عهد المصابرة والصبر وعهد بداية الدعـوة إلى عهد القوة وانبثاق النور، بل ويتسع الزمان ليشمل آمادًا لا نهاية لها إلا في تدبير وتقدير الله سبحانه، أنها غزوة لا ينطفئ وهجها ولا يخفت نورها مهما دارت الأيام، الغزوة التي فصلت بين الحق والباطل، الغزوة التي نالت شرف الزمان، حيث وقعت في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان في الشهر التاسع عشر لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أي: في السنة الثانية للهجرة ويوافق هذا التاريخ ( شهر يناير 624م) كما حددت المواقع التي لها علاقة بالغزوة في القرآن الكريم قال تعالى: (إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (42) سورة الأنفال، ومن أهم المواقع العريش مقر قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم أو ما يسمى لاحقًا مسجد العريش وهو مسجدٌ معروفٌ في بدر، بني في مكان العريش الذي كان مقر قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر (يوم الفرقان) عندما وقعت المعركة العظيمة بين المسلمين والكفار، ومع عدم تكافؤ القوى في هذه الغزوة، لا في العدد ولا في العدّة، فقد لحقت بقريش هزيمة ساحقة، أدت إلى مقتل عدد كبير من رؤوسائها، وأسر آخرون، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) سورة آل عمران الآية 123، وورد ذكر هذا المسجد في جميع كتب المغازي وكتب التاريخ والآثار، فبعدما نزل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه في بدر، اقترح سعد بن معاذ رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء عريش له يكون مقرًا لقيادته، ويأمن فيه من العدو، وكان مما قاله في اقتراحه: « يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ثم نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدوّنا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلّف عنك أقوام، ما نحن بأشدّ لك حبًا منهم، ولو ظنّوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك» فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له بالخير، ثم بنى المسلمون العريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم على تلّ مشرف على ساحة القتال، وكان ذلك من عوامل النصر بأمر الله ويستفاد من فكرة سعد بن معاذ رضي الله عنه ببناء العريش أمور منها:
1- لابد أن يكون مكان القيادة مشرفًا على أرض المعركة، يتمكن القائد فيه من متابعة المعركة وإدارتها.
2- ينبغي أن يكون مقر القيادة آمنًا بتوافر الحراسة الكافية له.
3- ينبغي الاهتمام بحياة القائد، وصونها من التعرض لأي خطر.
4- ينبغي أن يكون للقائد قوة احتياطية أخرى تعوض الخسائر التي قد تحدث في المعركة.
ومسجد العريش من شواهد ومعالم المعركة فأنت إذا زرت أو رأيت موقع العريش تتذكر مناجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغاثته من الله سبحانه وتعالى ( اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا) وتسلية أبي بكر رضي الله عنه لنبيه صلى الله عليه وسلم (حسبك يا رسول الله).
وقد حقق الله دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر المبين، حيث كانت نتائج غزوة بدر فتحًا للتاريخ الإسلامي وانطلاقًا للنور في كل أنحاء الأرض.