توقفتُ في الحلقة الماضية عند قراءتي لما ورد في منهج الحضارة الإسلامية عن تدوين الحديث، ما يستغله المغرضون للتشكيك في صحة السنة النبوية، وعدم التزام الصحابة رضوان الله عليهم بما نهاهم الرسول صلى الله عليه وسلّم عنه، وأواصل الحديث عن ما في هذا المنهج من أخطاء وزلّات يستغلها المغرضون للتشكيك في صحة الإسلام ويستثمرونها لتضليل شبابنا و دفع بعضهم إلى الإلحاد، من ذلك:
1- الخطأ في إطلاق مصطلح» التدوين» على كتابة الحديث، ففي اللغة فرق بين الكتابة والتدوين، فالكتابة في معجم لسان العرب: كتب الشيء كتابًا وكتابة، وكتبه خطّه، فكتابة الشيء خطّه» أمّا التدوين، فهو « والديوان مجتمع الصحف، وقال صاحب تاج العروس» وقد دوّنه تدوينًا جمعه،» وعليه فالتدوين هو جمع الصحف المشتتة في ديوان ليحفظها، ومن هنا نجد أنّ جمع الحديث(تدوينه) في صحيفة واحدة وتصنيفه وتبوبيه تمّ في عهد عمر بن عبد العزيز سنة مائة هجرية، ولكن معدو المنهج ، وقعوا في خطأ فادح بقولهم في صفحة (109)» غير أنّ كتابة السنن دخلت في طور التنفيذ الفعلي بعد عهد الخلفاء الراشدين، وبالذات في جيل التابعين ...فأمر الخليفة الأموي بجمعها على أيدي كبار علماء التابعين.» فهنا نجدهم بدأوا المقطع بكتابة السنن، وكأنّها لم تكن مكتوبة، وفي خاتمة المقطع قالوا أمر بجمعها، فالخلط بين الكتابة والتدوين يوجد منفذًا للمضللين في تشكيك أولادنا في صحة السنة النبوية.
2. عند الحديث عن منهج المسلمين في البحث العلمي (ص121) اعتبر معدو المنهج أنّ أسلوب الجرح والتعديل الذي اتبعه علماء الحديث في تنقية الحديث وتمييز صحيحه من موضوعه في توجيه أسلوبه، هو الذي استقاه المسلمون في اتباع المنهج العلمي، وهنا نجدهم أغفلوا حقيقة هامة، وهي أنّ علماء الجرح والتعديل وجميع علمائنا الأوائل استقوا المنهج العلمي من القرآن الكريم، فمعروف أنّ الإغريق قد بنوا حضارتهم وفكرهم على الجدل والسفسطة والتلاعب بالألفاظ، وكانت هذه سمة العلم في العالم آنذاك، إذ كان يفهم العلم من خلال معان كيفية ذات أصل فلسفي بحت، وجاء الإسلام وحرَّم الجدل والفلسفة والتلاعب بالألفاظ موجهاً العقل البشري إلى استخدام منهج علمي متكامل في البحث في الكون؛ إذ دعا إلى النظرة العلمية البحتة إلى الأشياء، وأرشد إلى المنهج الصحيح في المعرفة فقال تعالى(قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)»البقرة 111»وقال تعالى(قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلاَّ الظن وإن أنتم إلاَّ تخرصون )» الأنعام : 148»،وقد حثَّنا الله عز وجل على ألاَّ نخطو خطوة إلاَّ بالعلم وقد وهبه الله أدوات البحث والنظر، يقول تعالى(ولا تقف ما ليس لك به علم إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً)»الإسراء:36»
ودعانا إلى استعمال عقولنا، وقد ورد في القرآن ذكر العقل باسمه وأفعاله زهاء 50 مرة، وأولي الألباب، أي العقول بضع عشرة مرة، وأولي النهى (جمع نُهية- بالضم- أي العقول)، فقد جاءت مرة واحدة في آخر سورة طه. وهذا دليل على اعتبار العقل ومنزلته في الرؤية الإسلامية، فهو مناط التكليف، كما نهى الشرع عن الاستدلال بالاعتماد على الظنون؛ لأنّ الظنون لا تغني من الحق شيئاً، ونهى عن اتباع الهوى وتحكيمه في الاستدلال بالنصوص.
هذه الحقيقة ينبغي تأصيلها، وغرسها في أذهان أولادنا خاصة وأنّ الإسلام يُهاجم بأنّه ضد العلم، وينسب الأوربيون إتباع منهج البحث العلمي إليهم، ومعروف أنَّ الحسن بن الهيثم قد سبق فرانسيس بيكون في استخدامه وليس كما يدعي الغرب، ولا ننسى أنّ بعض شبابنا الذين تمّ إلحادهم عن طريق العلم ونظرية التطوّر، ويزعم الداروينيون أنّه لا يُشترط وجود محرك أو موجه أو خالق للكائنات.
وللأسف لم نجد تركيزًا في مناهجنا الدراسية على النظرية الداروينية، وتفنيدها علميًا، وقدمها منهج الحديث والثقافة الإسلامية لثاني ثانوي عام 1424هـ/2003م في ست كلمات كأهم نظرية قام عليها الفكر العلماني، وهذه الكلمات هي:» نظرية اليهودي(داروين) في التطور والارتقاء» والقول أنّ داروين يهودي خطأ كبير، فاليهود استغلوا نظريته لترويج الإلحاد، وتقويض الأديان، فمعروف أنّ داروين مسيحي بريطاني، والده روبرت داروين (Robert Darwin)، طبيب وخبير مالي ينتمي لمجتمع غني، ووالدته سوسانا داروين(Susannah Darwin)، وهما من طائفة الأسر التوحيدية(وهو مذهب مسيحي يعتقد بوحدانية الله ويرفض التثليث) بالرغم من أنّ أسرة ويدقود كانت تنتمي للكنيسة الأنجليكية. قام روبرت داروين، بتعميد الطفل تشارلز في كنيسة سانت تشاد الأنجليكية بشروزبري في نوفمبر تشرين الثاني عام 1809، لكن تشالرز وإخوته انضموا مع أمهم إلى الكنيسة التوحيدية، فمن أين أتى معدو المنهج بأنّه يهودي؟ وهذا يدل على عدم تحريهم الدقة فيما يكتبونه.
3.في الحديث عن العلوم الفقهية ص(113) يوجد خلط بين الأحكام الشرعية والفقهية، واعتبارها شيئًا واحدًا، وهذا خطأ آخر يُضاف إلى تعريف الخلافة، والخلط بين كتابة الحديث وتدوينه(أي تجميعه) فمعروف أنّ الشرع وأحكامه من عند الله، بينما الفقه وأحكامه من عند البشر استنبطها الفقهاء من التشريع الإلهي طبقًا لأفهامهم وموروثاتهم الفكرية والثقافية، وطبيعة مجتمعاتهم في أزمانهم، فمن الخطأ القول:» الأحكام الشرعية أو الفقهية» كما ورد في المنهج، فلا نُحمّل شرع الله أخطاء مفاهيم البشر واجتهاداتهم، وننسب ما يقع من ظلم وتمييز للرجل على المرأة نتيجة تلك الاجتهادات الخاطئة إلى شرع الله، كما نرى الآن.
هذا نموذج لبعض ما تحتويه مناهج التاريخ التي تُدّرس لأولادنا الذين أصبح منهم تكفيريون وإرهابيون وملحدون، وهذا مر الحصاد الذي جنيناه من مناهجنا الدراسية، أرجو من صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل وزير التربية والتعليم تكوين لجان مختصة للتدقيق في محتويات المناهج الدراسية وتعديلها قبل إعادة طباعتها للعام الدراسي القادم، ريثما يتم التغيير الكامل للمناهج الدراسية، وتحريرها من الفكر الذي طُبعت به لا سيما مناهج الدين والتاريخ، ولدي رؤية لما ينبغي أن تحويه مناهجنا الدراسية سأوضحها في مقالات قادمة إن شاء الله.