كثيرًا ما نسمع فتاوى تحريم غير منضبطة بحجة التشبه بالكفار، دون تفريق بين ما تَـحْرُمُ فيه مشابهةُ الكفار وما لا تحرم. والأدهى والأمر أنها فتاوى ربما صدرت من أناس قد وقعوا في بعض أسوأ صور التشبه بالكفار، ومما لا شك في حرمة التشبه بهم فيه!
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لَتَتبَعُنَّ سنَنَ من كان قَبلَكُمْ: شِبرًا بشبر، وذِرَاعًا بِذِراعٍ، حتى لو دخَلُوا جُحرَ ضبٍّ تَبِعتُمُوهُمْ. قُلنَا: يا رسُولَ الله، اليَهُودُ والنَّصَارَى ؟ قال فمَنْ)).
ففي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته ستقع في موافقة الأمم التي ضلت قبلها بالتدريج، وفي حال بعد حال، وأن هذه الموافقة تكاد تكون تامة، حتى فيما لا يقبله العقل ولا تدعو إليه شهوة ((حتى لو دخَلُوا جُحرَ ضبٍّ تَبِعتُمُوهُمْ)).
فدعونا نستعرض غيضا من فيض تشبه هذه الفئة من المسلمين بالكفار فيما يحرم تشبههم بهم فيه تحريما قطعيا:
1- الغلو والتزمت: ألم يقل الله تعالى عن اليهود والنصارى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)، فوقع هؤلاء في مشابهة اليهود والنصارى في هذا الغلو.
وفي الحديث الثابت قال صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين)). وفي سنن أبي داود وصححه الضياء: من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ‏، عن النبي ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه كَانَ يَقُولُ: ((‏لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَدَّدَ الله عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي ‏الصَّوَامِعِ‏ ‏وَالدِّيَارِ) (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ).
2- التفرّق والتشرذم: وقد نهانا الله سبحانه عن مشابهتهم في ذلك، فقال تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وجاء حديث الافتراق الشهير محذرا من التفرُّق، فجعلوه حجة على تفريقهم للأمة. وكل يوم تتشظَّى الطائفة الواحدة إلى طوائف، وباسم السنة أحيانا كثيرة، وبحجة اتباع السلف!! حتى لقد أصبحت صفة اليهود بنا ألصق، وكأنها تتحدث عنا، لا عنهم:(بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ).
3- مشابهة الكفار في قتل بعضنا بعضا، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تَرجِعُوا بَعدِي كُفّارًا يَضرِبُ بَعضُكُمْ رِقابَ بَعض))، ومقصوده صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا فعل الكفار: يقتل بعضهم بعضا!! فشابهتهم طوائفُ من المسلمين، فقتل بعضهم بعضا بالتكفير الباطل، وبالطائفية البغيضة!
4- تقديس بعض العلماء، حتى استساغ بعضهم أن يُقال عن شيخ الإسلام ابن تيمية: لو لم تُـختم النبوة، لكان ابن تيمية نبيا، أو قال: لكاد!! وليت الأمر توقف عند شخصية علمية عظيمة كابن تيمية (على هول الخطأ)، بل تجاوزه إلى دعاة ووعاظ ومتصدرين ليس لهم قدم علم تُذكر! وقد قال تعالى عن أهل الكتاب (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ).
5- ممارسة الكهنوت من قبل أدعياء العلم والمتفقهة: والمقصود بالكهنوت: تنزيل الاجتهاد الظني في فهم الوحي أو القياس عليه أو الاستهداء به منزلة النص القطعي من الله تعالى، حتى كأن المفتي لا يحكم ولا يتكلم إلا بحكم الله تعالى وبكلامه عز وجلّ. وهو مما مارسته الأمم قبلنا، فكان ذلك سببَ إقصاء الدين، وهو ما فرّخ العلمانية في الغرب، بسبب كهنوت الكنيسة. فإذا بنا نسير على خطاهم حذو القذة بالقذة، وصرنا نرى من المسلمين من يصرح أنه لا نجاة لنا إلا بإقصاء الدين عن مناحي الحياة.
6- التحايل على الشرع كما فعل اليهود في سبتهم (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ)، وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((لعَنَ الله الْيهُودَ! حُرّمَتْ عليهم الشّحُومُ، فجَمَلُوهَا، فبَاعُوهَا))، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحيلةٍ من حيل هذه الأمة، وهي تسمية الأمور بغير اسمها، من أجل إباحة ما حرم الله تعالى، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لَيَشرَبَنَّ ناسٌ من أُمّتِي الخَمْرَ يُسمُّونَهَا بِغَيرِ اسمِهَا)). فانظروا ماذا فعل هؤلاء: سموا القتال الطائفي: (جهادا)، وسموا التواكل بعدم اتخاذ الأسباب في قرار البدء فيما سموه جهادا: (ثقةً بوعد الله)، وسموا إغفال مراعاة المصالح والمفاسد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (إعذارا)، وسموا المزايدة في الغيرة على الشرع: (حرارة إيمانية)، وسموا التحزب للطائفة: (تسننًا)، والغلو (ورعًا) ..إلخ.
7- محاربة العقل باسم النقل؛ وكأن العقل والنقل ضدّان. وقد وصف الله تعالى مشركي العرب واليهود بأنهم لا يعقلون، وذكر اعتراف أهل النار {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، فشابهوهم في محاربة العقل!
ومن صور ذلك رفض الإقناع: بحجة التسليم، ومناقضة العلم القطعي باسم النقل، وهم إنما يعارضونه بفهمهم الخاطئ للنقل.
8- الانغلاق الفكري؛ إلا على مدرستهم الضيقة، بعدم نقاش مخالفيهم من المسلمين، وعدم مجادلتهم، والإعراض عن القراءة أو السماع للمدارس الإسلامية التي لديها صواب كثير يصحح كثيرًا من أخطائهم. وهذه السنة الجاهلية من أقدم عادات أهل الضلال، قال الله تعالى ذاكرا مقالة نوح (عليه السلام) عن قومه: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)، وقال تعالى عن كفار مكة (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ). في حين ذكر الله تعالى منهج النبوة في الدعوة، فذكر أنه يقوم على دعائم كبرى، كان من أهمها: الجدل بالتي هي أحسن: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). ولكنهم فهموا كلام (بعض) السلف فهما يجعله معارضا لكلام الله تعالى، في عدم مجادلة أهل البدع، ثم بعد هذا الخطأ أضافوا إليه خطأ آخر، حيث قدّموا فهمهم الخطأ لكلام (بعض) السلف على كلام الله تعالى! في صور كثيرة من تشبه هؤلاء بالكفار وموافقتهم للمشركين واليهود والنصارى، ثم هم بعد هذا كله، لا يخجلون من تحريم ما لا يحرم من موافقة الكفار في بعض الأمور البشرية التي لا يصح تحريمها بمجرد الموافقة، ويتشددون فيها على عباد الله، ويفسقون بها المسلمين، إن لم يكفروهم!!
فشابهوا اليهود والنصارى في هذا أيضا: في تعظيم ما صغره الله، وتصغير ما عظمه، وتحريم ما أباحه، وتحليل ما حرم!!