لا أدري ما الذي كان يدور في أذهان المجرمين الذين نفذوا الاعتداء الآثم على المواطنين في قرية الدالوة في محافظة الأحساء، ولا أدري كيف بررت لهم أنفسهم قتل النفس الآمنة بغير حق، ولا كيف تجاهلوا قول الله عز وجل: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا" وكيف أصبحوا كالخوارج الذين يستفتون في أمر دهس الحشرات ولا يتوارون عن قتل البشر، ولكنني أعرف شيئاً واحداً فقط وهو أنهم إن كانوا يريدون بفعلتهم الشنيعة تلك أن يشعلوا نار الفتنة بين الناس فلقد أخفقوا إخفاقاً ذريعاً، فهاهم أبناء الأحساء قد هبوا هبة رجل واحد ليضمدوا جراح أشقائهم من ذوي الضحايا والمصابين، وهاهي قيادة البلاد ممثلة في وزير الداخلية تبادر إلى تقديم واجب العزاء والاطمئنان على المصابين وكفكفة دموع أبناء الشهداء من رجال الأمن ومن الضحايا، وهاهي جنائز القتلى في الأحساء وفي القصيم وفي غيرها من مناطق المملكة تتحول إلى مظاهرات للوحدة الوطنية ترفع فيها أعلام الوطن ويسير المشيعون متلاحمين متكاتفين متحدين في رفض الإجرام والإرهاب والطائفية.
لقد قرأت في "تويتر" تغريدة لصديق فاضل أعرف حسن نيته وسلامة مقصده، ولا أزكي على الله أحداً، قال فيها إن المشيعين قد رفعوا في مسيرة الجنازة صوراً للشهداء من الطرفين، فأجبته قائلاً لسنا طرفين، فنحن إخوة أشقاء أبناء وطن واحد، ولئن خرج منا مارق أو مارقون، ممن يدعون إلى الفتنة والخروج على ولي الأمر، أو يحرضون على إثارة الشغب، فإن ذلك لا يبرر استهداف عموم المواطنين أو رفع السلاح في وجه الدولة ورجال الأمن.
ولعل أفضل رد على محاولة إشعال الفتنة يكمن في مزيد من الوحدة، ومن ذلك الاستجابة للمطالبات المشروعة التي يتقدم بها إخواننا في الأحساء والقطيف ومنها على سبيل المثال افتتاح جامعة في القطيف، وإتاحة مزيد من فرص العمل لأبنائهم وخاصة في الشركات الوطنية الكبرى، ومنح التسهيلات الملائمة لجميع المواطنين حيثما كانت مقار إقامتهم لإقامة شعائرهم الإسلامية بما فيها الصلاة جماعة ودفن الموتى في المقابر العامة، وتجنب الأحكام الخلافية بين المذاهب في مناهج التعليم، وغير ذلك من الأمور البسيطة التي يمكن أن يكون لها أثرعميق في تثبيت أواصر الوحدة والتآلف والتجانس وصد الفرقة والتصدي للمحرضين عليها.
رحم الله شهداء الدالوة، وشهداء الواجب من رجال الأمن، ولنجعل من الدالوة، هذه القرية الوادعة في الأحساء، رمزاً لوحدتنا ودرعاً لوطننا وحصناً منيعاً لأمن بلادنا.