الأزمة المصرية - الجزائرية تكشف عن حاجة ملحّة لتناول ومعالجة المسكوت عنه في العلاقات العربية - العربية بكل شجاعة، ونزاهة، وتجرد. تقول قوانين الطبيعة إن المادة لا تفنى ولا تُخلق من العدم، أي أن لكل شيء في عالمنا جذوره المادية، ولكل نتيجة سبب أو أسباب قادت إليها. أقول هذا بمناسبة الأزمة التي اجتاحت العلاقات المصرية - الجزائرية مؤخرًا، والتي قادت ضمن توابع كثيرة لها باستدعاء القاهرة لسفيرها في الجزائر للتشاور، وكذلك تحميل السلطات الجزائرية المسؤولية عن أية أضرار تلحق بالرعايا، أو بالاستثمارات المصرية في الجزائر، والتي تقدرها مصادر محايدة بأكثر من خمسة مليارات دولار. الأسباب المعلنة للأزمة تشير إلى أن سلوك مشجعين جزائريين أثناء مباراتي فريقهم مع نظيره المصري في التصفيات المؤهلة لكأس العالم، وكذلك سلوك مشجعين مصريين عقب وصول المنتخب الجزائري إلى العاصمة المصرية لخوض مباراة الإياب مع نظيره المصري، ربما كان وراء الأزمة، لكن حجم الأزمة بتداعياتها، وبمستويات التصعيد غير المسبوقة يقطع بأن ثمة أسبابًا غير معلنة لها، ربما كان بينها غضب مكتوم هنا، أو استياء كامن هناك، وربما كانت ثمة عوامل أخرى ذاتية لدى أيٍّ من الطرفين وراء هذا التصعيد اللافت والمفاجىء، الأمر الذي يطرح بدوره أسئلة مشروعة حول غياب البوح في العلاقات العربية - العربية، وحول حق المواطن العربي في أن يعرف، وكذلك حول مستوى الشفافية المتاحة للمواطن العربي في مصر، وفي الجزائر، وهو المستوى الذي أشار أحدث تقرير دولي إلى أن كلا البلدين قد نال في شأنه موقعًا متأخرًا على المستوى الدولي، ولفرط المفارقة، فقد شغل البلدان العربيان ذات الترتيب في المركز 111 و111 مكرر على مستوى العالم فيما يتعلّق بمستوى الشفافية.. هل يمكن أن يكون ذلك هو أحد العوامل المؤثّرة في الأزمة الراهنة بين البلدين؟ أم أن ثمة أسبابًا أخرى لاحتقان رأينا نتائجه ولم نعرف بعد مسبباته؟! إذا صح التوقع بأن غياب الشفافية، أو بتعبير أكثر دقة تدني مستواها بشدة، ربما كان وراء الأزمة التي تقول الوقائع إن التنافس الكروي ربما كان سببها المباشر، فإن ثمة جهدًا على الجانبين ينبغي أن يُبذل من أجل الكشف عن المسببات الحقيقية للأزمة من جهة، وكذلك عن مَن يتحمّلون المسؤولية عنها، وحول ما إذا كان أسلوب إدارة الأزمة على الجانبين قد قاد إلى تفاقمها. بلوغ الحقيقة يقتضي دومًا بعض الجهد، فهي لن تسقط فجأة في حجرنا مثل تفاحة نيوتن، وفي حالة الأزمة الراهنة بين مصر والجزائر، فإن بلوغ الحقيقة يقتضي قدرًا كبيرًا من التنظيم، وقدرًا أكبر من إنكارالذات، وفي ظني أن كلتا الدولتين بمؤسساتها وأجهزتها السيادية قادرة على إجراء تحقيق داخلي، سوف يسهم حتمًا في الإمساك بتلابيب الحقيقة، وفي ظني كذلك أن ثمة جهدًا ينبغي أن تقوده الجامعة العربية، وأمينها العام عمرو موسى للتحقيق في خلفيات الأزمة، ورصد تطورها منذ اندلعت، وتبني آلية لإنهائها بالتعامل المباشر مع مسبباتها، وبالتنسيق مع طرفيها. مصر والجزائر دولتان كبيرتان في النظام الإقليمي العربي، لا يمكن تصوّر هذا النظام بدون أي منهما، ولا يمكن تصوّر إمكانية استمرار التعايش العربي مع خلافاتهما التي تكبر حتمًا ما لم تُحل، ولهذا فلابد من مبادرة لنزع فتيل الخلاف بين الدولتين، بما يصون حقوق ومكانة كل طرف، ويرد الحق إلى مستحقه كائنًا مَن كان. ثمة ساحات أخرى للتنافس بين الدول نظن أنها الأجدر بخوض السباق فيها، فالبلدان، وسائر البلدان العربية بحاجة إلى التنافس في مجال مكافحة البطالة، وتطوير الاقتصاد، وتحسين مستويات المعيشة، ومعالجة أسباب الاحتقان، وأظن -ولعلّكم توافقونني الرأي- أن هؤلاء الغاضبين في الشوارع بسبب مباراة في كرة القدم كانوا يفتشون عن ساحة للتنافس يمكن أن تربحها الأقدام لا العقول، وكانوا يبحثون عن مصدر لسعادة لا يجدونها في مختلف مجالات حياتهم اليومية إلاّ نادرًا، وأظن -ولعلّكم توافقونني الرأي كذلك- أن هؤلاء الغاضبين في شوارع الخرطوم عقب المباراة التي جمعت الفريقين هم في الغالب شباب يغالب الإحباط بالعنف. تعالوا نفتّش بصدق عن الأسباب، ودعونا نقُلْها بلا خجل، لأن ما حدث قد تجاوز كل حدود الخجل، وكشف مدى هشاشة الوضع الإقليمي العربي، تعالوا نعالج بشجاعة المسكوت عنه في العلاقات العربية - العربية، دون مَنٍّ أو أذى، فالثابت في علاقات مصر والجزائر أن القاهرة دعمت حرب التحرير الجزائرية، فردّت الجزائر بدعم المجهود الحربي المصري ضد إسرائيل عقب هزيمة يونيو 1967، والثابت والمنطقي كذلك أن لا أحد يحارب معارك الآخرين، وإنّما كل طرف يقرر مواقفه حيال أية أزمة طبقًا لمصالحه، وبالطبع فقد كان تحرير الجزائر مصلحة وطنية مصرية، تمامًا كما كان دعم المجهود الحربي المصري مصلحة وطنية جزائرية، ففي السياسة لا يملك أي طرف ترف خوض المعارك من أجل عيون الآخرين، وإنّما يجب أن تكون مصلحة وطنه الذاتية نصب عينيه طوال الوقت، وفي السياسة أيضًا لا مكان للرومانسية عند حساب المواقف والمصالح، وإنّما توفر الرومانسية الذرائع الأخلاقية للسلوك السياسي. الأزمة المصرية - الجزائرية تكشف عن حاجة ملحّة لتناول ومعالجة المسكوت عنه في العلاقات العربية - العربية بكل شجاعة، ونزاهة، وتجرد، فالتعلّل بذرائع الحرج بين «الأشقاء» لم يعد مقبولاً، لا من الجماهير التي تتعرّض مصالحها للتهديد، ولا من النخبة المثقفة التي تتحمّل هي أيضًا نصيبًًا لا بأس به من المسؤولية عن التدهور الحاصل في المشهد الإقليمي برمته. ولا من مستويات صنع القرار في كافة البلدان العربية.