رصد خبيران نحو 10 توصيات لتعزيز دور هيئة مكافحة الفساد «نزاهة» في مكافحة الفساد وتعزيز قيم الشفافية والمحاسبة داخل الجهات الحكومية مؤكدين أن مرور ما يقارب الأربعة أعوام على تأسيسها ليست كافية لتقييم أدائها بموضوعية.
وتضمنت التوصيات العشرة تشكيل مجلس إدارة للهيئة من اختصاصين في القانون، والاقتصاد، والمالية، وحقوق الإنسان وإفصاح رئيس وأعضاء مجلس الإدارة عن أموالهم وثرواتهم وثروات زوجاتهم وأولادهم قبل الانضمام لعضوية مجلس الإدارة، وتحديد خدمة رئيس وأعضاء مجلس الإدارة بأربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، ومنح حصانة لمنسوبى الهيئة وأيضا سلطة التحقيق في القضايا المتعلقة بالفساد المالي والإداري بالإضافة إلى منح الاستقلالية للهيئة وتوضيح كيفية تمويلها وتوفير الحماية للشهود والمبلغين والخبراء المكتشفين لقضايا الفساد، وأن تمتد هذه الحماية إلى عوائلهم واستخدام وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة لحفظ بلاغاتهم بسرية عالية وصياغة قانون الإفصاح والمعمول به في العديد من الدول المتقدمة ومنها بريطانيا وأستراليا ومعاقبة أي شخص قام بنشر أو تسريب أي معلومة تتعلق بهوية وسكن الشهود والخبراء والمبلغين في قضايا الفساد.
في البداية تساءل الدكتور فالح بن سالم القحطاني ـ الأكاديمي والمستشار القانوني ـ عن كيفية المواءمة ما بين نظام هيئة مكافحة الفساد (المرن إلى حد ما تشريعيًا) وبين اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والموقع عليها من قبل حكومة المملكة بتاريخ 09 /01 /2004م مشيرا إلى أن هذه الاتفاقية بعد مصادقة حكومة المملكة عليها ودخولها حيز التنفيذ بتاريخ 29 /04 /2013م، تعتبر من قبيل القانون الأول واجب التطبيق والاتباع.
وقال إن أهم التوصيات الملحة لتطوير نظام هيئة مكافحة الفساد قانونيًا تشكيل مجلس إدارة للهيئة يكون له رئيس وعلى الأقل عشرة أعضاء معينين من أصحاب الاختصاص في القانون، والاقتصاد، والمالية، وحقوق الإنسان وتسمية رئيس وأعضاء مجلس الإدارة يجب أن تتم بمرسوم ملكي يصدر من مجلس الوزراء وأن يفصح رئيس وأعضاء مجلس الإدارة عن أموالهم وثرواتهم وعن أموال وثروات أزواجهم وزوجاتهم وأولادهم قبل الانضمام لعضوية مجلس الإدارة.
وأوضح أنه يجب منح رئيس وأعضاء مجلس الإدارة الحصانة الدبلوماسية وذلك من أجل تمكينهم من أداء إعمالهم من دون أي ضغوطات أو تأثيرات خارجية محتملة ولا يتم احتجاز أو إلقاء القبض على رئيس وأعضاء مجلس الإدارة من دون أمر قضائي مسبب يصدر من المحكمة المختصة، إلا في حالة واحدة وهي حالة التلبس بالجريمة، وللمحكمة المختصة الحق في حجزهم، أو إلقاء القبض عليهم، أو إطلاق سراحهم بعد سماع حيثيات القضية ومراعاة الاشتراطات القانونية الأخرى المعمول بها في المملكة.
وأشار إلى أن المادة الخامسة عشرة من نظام الهيئة أعطت الهيئة الحق في وضع سياساتها المالية، والحق في إصدار واعتماد ميزانيتها السنوية مشيرا إلى أن هذه المادة تحتاج إلى التعديل القانوني التالي «ميزانية الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد يجب أن تعتمد من قبل ديوان المراقبة العامة، مثلها مثل بقية الأجهزة الحكومية الأخرى» باعتبار أنه من غير المعقول أن الهيئة التي تشجع النزاهة وتحارب الفساد لا تعتمد ولا تراجع من قبل الجهة المختصة بهذا الأمر وهي ديوان المراقبة العامة.
وأضاف: «قد يثار حيال هذا التعديل الجدل التالي وهو أن هيئة مكافحة الفساد ترتبط بخادم الحرمين الشريفين، وبأنها تتمتع بالاستقلال التام في أداء أعمالها واختصاصاتها» مشيرا إلى أن هناك العديد من الهيئات والجهات الحكومية المرتبطة مباشرة بخادم الحرمين الشريفين وتتمتع بالاستقلالية في أداء أعمالها ويقوم ديوان المراقبة العامة بمراجعة واعتماد ميزانيتها السنوية.
**سلطة التحقيق
ومن الملاحظات التي تم رصدها وفقا للدكتور القحطاني أن الهيئة لا يحق لها التحقيق مع أنها تتوفر لديها سلطة التحري حيث يتم التحقيق في قضايا الفساد من قبل هيئة التحقيق والادعاء العام، ويتم نظر القضايا المتعلقة بالفساد المالي والإداري في المحاكم الشرعية على اختلاف درجاتها، وفي المحكمة الإدارية فيما يختص بقضايا التزوير والتزييف والتي تعتبر من أكبر صور جرائم الفساد، وأشار إلى أنه يجب أن يتوفر لدى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الحق في التحقيق.
**تمويل «نزاهة»
وبين أنه على الرغم من أن نظام هيئة مكافحة الفساد أوضح بأن الهيئة مستقلة، إلا أن النظام لم يوضح بشكل قطعي كيف يتم تمويل هيئة مكافحة الفساد؟ ولم يوضح إن كان يتم تمويلها من قبل الدعم الحكومي المباشر أو من قبل مصادر أخرى مثل مصادرة الأموال المتحصلة من قضايا الفساد.
**معاملات الفساد
وأوضح أنه يجب على هيئة مكافحة الفساد أن تقوم بفتح حساب في مؤسسة النقد العربي السعودي وذلك من أجل التحفظ على الأموال والمنافع الناتجة عن قضايا ومعاملات الفساد ريثما يتم إرجاع هذه الأموال إلى أصحابها المستحقين لها نظامًا أو تتم مصادرتها عن طريق هيئة مكافحة الفساد كما يجب على هيئة مكافحة الفساد تحويل حساب إبراء الذمة والمستخدم حاليًا من قبل بنك التسليف السعودي ليكون تحت الحسابات المختصة والمتعلقة بهيئة مكافحة الفساد.
حماية المبلغين
أما الملاحظة السادسة التي أوردها الدكتور القحطاني في تقييمه لأداء «نزاهة» فقال إن نظام هيئة مكافحة الفساد لم يبين حق توفير الحماية للأشخاص المبلغين عن قضايا الفساد. لذلك، يجب أن يتم توفير الحماية للشهود والمبلغين والخبراء المكتشفين لقضايا الفساد، وقال إنه يجب أن تمتد هذه الحماية إلى عوائلهم وذلك من أجل التأكد من عدم إلحاق الضرر بهم وإمكانية التضييق عليهم في حياتهم العامة والعملية. ويجب أن يوفر لهم الحماية في أماكن سكنهم وأماكن أعمالهم.
وشدد على استخدام وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة لحفظ بلاغاتهم بسرية عالية وأن يتم التأكد من عدم التمييز والتفرقة ضدهم. وفي الجانب الآخر، كما يجب أن تقوم الهيئة بصياغة قانون الإفصاح للمصلحة العامة (Whistle Blowing Law) والمعمول به في العديد من الدول المتقدمة ومنها بريطانيا وأستراليا على سبيل المثال.
تسريب المعلومات
وتناولت الملاحظة السابعة ضرورة معاقبة أي شخص أفرادا أو موظفين (قام بالفعل أو اشترك في الفعل) أو قام بنشر أو تسريب أي معلومة تتعلق بهوية وسكن الشهود والخبراء والمبلغين في قضايا الفساد وعلى وجه الخصوص أي معلومة أو وثيقة تعامل بسرية تامة من قبل منسوبي هيئة مكافحة الفساد، وليس لهم الإفصاح عن هذه المعلومة إلا فيما يخدم القضية المنظورة أمام هيئة مكافحة الفساد.
وقال إن هذه العقوبة يجب أن تشتمل على عقوبة سجن وغرامة مالية، ويمكن إدراج وإلحاق هاتين العقوبتين بما نصت عليه المادة الخامسة من نظام عقوبات نشر الوثائق والمعلومات السرية وإفشائها، والصادر بالأمر الملكي رقم (م/35) وتاريخ 08 /05 /1432 هـ، والتي نصت في الفقرة الرابعة على إن من حاز أو علم -بحكم وظيفته- وثائق أو معلومات رسمية سرية فأفشاها أو أبلغها أو نشرها دون سبب مشروع مصرح به نظامًا فيعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشرين سنة أو بغرامة لا تزيد على مليون ريال أو بهما معًا مع مراعاة الظروف المشددة والمخففة للعقوبة.
العقاب المفقود
وأوضح الدكتور القحطان أن نظام هيئة مكافحة الفساد لم ينص علي أي عقوبة وقال إنه من المعلوم بأن أي قانون لا يتوفر لديه الجانب العقابي يصبح قانونًا يعتريه النقص وتشوبه الشوائب بناءً على ذلك، يجب أن يصاغ نظام هيئة مكافحة الفساد ليشتمل على العديد من الآليات العقابية.
وضرب أمثلة لذلك بأن الهيئة تستطيع طلب أي معلومة أو ملف أو وثيقة من قبل الأفراد والمنظمات على حد سواء. والأفراد الذين يمتنعون عن تزويد هيئة مكافحة الفساد بأي معلومة أو وثيقة أو يحاولون التضليل في هذا السياق، تستطيع الهيئة معاقبتهم بالسجن أو بالغرامة مالية أو بهما معًا، كما أن أي فرد ارتكب أو شارك أو شجع تصرف أو فعل فساد ثم بعد ذلك قدم المساعدة لهيئة مكافحة الفساد بتزويدها بمعلومات ووثائق تفيد في اكتشاف قضية الفساد، يجب إن يتم تخفيف العقوبة المقررة تجاهه إلى ثلث العقوبة من قبل المحكمة المختصة التي تنظر القضية.
وشدد على أهمية أن يكون لـ»نزاهة» الحق في ملاحقة الأشخاص المتورطين في قضايا الفساد، وإيقافهم، والتوصية بوضع ممتلكاتهم المنقولة أو غير المنقولة تحت الحجز القضائي، ويجب أن يكون لها الحق في المطالبة بمنعهم من السفر خارج المملكة ويجب أن يكون لها الحق في إصدار أوامر الملاحقة القضائية الدولية، ويجب أن يكون لها الحق في التوصية بإنهاء عقودهم الوظيفة، ولها الحق في إيقاف مخصصاتهم المالية وتعويضاتهم.
ويضيف الدكتور القحطاني: هذه التوصيات هي نتاج تحليل علمي عميق من أجل تطوير نظام هيئة مكافحة الفساد وهي متماشية مع ما كفلته سياسة حكومة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في توجيه النقد العلمي الهادف والبناء للمؤسسات والهيئات الحكومية من أجل الوصول إلى غاية مشتركة وهي عزة الوطن والمواطن، وإرساء عقد العدالة الاجتماعية والقانونية في هذا البلد الكريم خصوصًا وأن خادم الحرمين الشريفين من قال: (على الجميع التكاتف في سبيل مكافحة الفساد بكافة صوره).
جهة ضبط وليست محاسبة
أما المحامي والمستشار القانوني الدكتور عبدالعزيز بن محمد الفضلي فدعا أولًا لفهم الدور الحقيقي والمأمول من هذا الجهاز وأنه بالنظر لمسماه يتبين أنه يرتكز على كلمة «مكافحة» و «فساد» والمكافحة: تعني بالدرجة الأولى عمل استباقي وقائي، فمكافحة الجرم قانونًا لا تعني فقط ضبط الجرم وإحالة الجناة للمحكمة، بل بالدرجة الأولى تعني التوعية بالجرم و تحديده وتعريفه ثم مكافحة التجاوزات التي تندرج تحته من خلال ضبط المخالفين وإحالتهم للجهات المختصة.
وأضاف: «بالنظر لوجود كلمة «فساد» في المسمى أوحى للجميع بأنها جهة تحاسب على الفساد مع أن دورها فقط ضبطي أي أنها تضبط الواقعة وتحيل الملف بتفاصيل المخالفة للملك أو للديوان الملكي مع أنها لها حق المتابعة عن تلك الإحالة مشيرا إلى أن ذلك جعلها في حرج كبير أمام المجتمع لعدم توضيح هذا الدور.
وأشار إلى أن النص أثقل كاهل الهيئة بمسميين أو بمصطلحين كبيرين مع ضعف واضح في الجانب الإعلامي للهيئة في توضيح حقيقة دورها وحدوده وتساءل: «ما هي الأفعال التي تندرج تحت مسمى فساد؟ فالكلمة فضفاضة تحتاج لتوضيح بجانب أن الهيئة ملزمة لكي تكسب ثقة المجتمع أن توضح حدود دورها وأنه فقط ضبط وإحالة وليست محاسبة».
وأكد ان الهيئة تحتاج إلى مجهود وتركيز أكبر ليس فقط من ناحية التعريف بالهيئة و إداراتها أو طريقة عملها بل يجب أن يكون هناك دور للمختصين القانونيين في توضيح ذلك مشيرا الى ان ذلك لن يتأتى إلا من خلال الهيئة التي يجب عليها أن يكون لديها جناح إعلامي قوي يأخذ زمام المبادرة في ذلك.
وطرح الدكتور الفضلي تساؤلا عن منجزات تلك الهيئة ؟ ولماذا لا يتم نشر تقاريرها أو على الأقل ملخص عما تم ضبطه وإحالته ودعم ذلك إعلاميا ليرى الجميع مجهودات هذا الجهاز
وتساءل عما إذا كان هناك تعارض أم ازدواجية في عمل الهيئة ؟!
ازدواجية وليس تعارض
وقال فيما يتعلق بطبيعة عمل الهيئة وعلاقته مع الأجهزة الأخرى فإن دورها الحقيقي هو مكافحة الفساد المالي والإداري كما تقوم به كثير من الجهات الرقابية في المملكة كما أن هناك ازدواجية وليس تعارض؟! وذلك لأن ديوان المراقبة والمباحث الإدارية لديها هذه الاختصاصات مشيرا إلى أن هذه الازدواجية ليست أمرا صحيا مع اختلاف في الجهات التي تستقبل ملف القضية بعد التحقيق إلا أن توحيدها سيكون أفضل مع إمكانية وجود نسخة من ما يتوصل إليه ملف القضية ترسل للديوان الملكي لكي لا نقع في ازدواج أو غموض في دور الهيئة وسبب نشوئها.
وأكد في ختام حديثه أن الهيئة تحتاج إلى دعم إعلامي أكبر وحرص وعناية وحرية في اختيار نمط النشر ويجب أخذ كافة سبل وقنوات النشر الحديث للتعريف بالهيئة واختصاصاتها وتحديد مصطلحات مثل (حماية النزاهة ـ مكافحة - فساد ـ أمانة مسؤولية دينية، قانونية ومجتمعية) وبما يساهم في تحقيق أهداف الهيئة.
********
أهم التوصيات لتطوير أداء نزاهة
* تشكيل مجلس إدارة للهيئة من اختصاصين في القانون، والاقتصاد، والمالية، وحقوق الإنسان.
* إفصاح رئيس وأعضاء مجلس الإدارة عن أموالهم وثرواتهم وثروات زوجاتهم وأولادهم قبل الانضمام لعضوية مجلس الإدارة
*خدمة رئيس وأعضاء مجلس الإدارة أربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط.
*حصانة لمنسوبي الهيئة
*منح الهيئة سلطة التحقيق في القضايا المتعلقة بالفساد المالي والإداري
*منح الاستقلالية للهيئة وتوضيح كيفية تمويلها
* توفير الحماية للشهود والمبلغين والخبراء المكتشفين لقضايا الفساد، وأن تمتد هذه الحماية إلى عوائلهم
* استخدام وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة لحفظ بلاغاتهم بسرية عالية.
*صياغة قانون الإفصاح والمعمول به في العديد من الدول المتقدمة ومنها بريطانيا وأستراليا
*معاقبة أي شخص قام بنشر أو تسريب أي معلومة تتعلق بهوية وسكن الشهود والخبراء والمبلغين في قضايا الفساد.