رغم أن الدكتور محمد عبدالمطلب مصطفى، أستاذ الآداب بجامعة عين شمس، والحائز علي جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والأداب، لم يخف سعادته الكبيرة لنيله الجائزة التي تتمتع بالمصداقية والشفافية والعالمية، إلا أنه لم يتمالك نفسه في التعبير عن أسفه الشديد على ما آل اليه حال الثقافة العربية، خاصة من جانب بعض المفكرين والمثقفين الذين يجهلون قيم الإسلام ويتطاولون عليه. وينتقد عبدالمطلب في حواره مع «الأربعاء» بعض المثقفين العرب، رافضًا محاولات التشكيك في صحيح البخاري، وإحياء فكر فرج فودة من جديد. كذلك عبر عبدالمطلب عن موقفه من تجديد الخطاب الديني والثقافي ورؤيته للمشهد الثقافي، منتقدًا ما اسماه ظاهرة «الأدباء الجائلين».. كل هذه المحاور وغيرها في سياق هذا الحوار..

حياد وموضوعية
* كيف تنظرون لجائزة الملك فيصل العالمية؟
هذه الجائزة تمثل فخرًا لي رغم حصولي على عدة جواز سابقة خاصة أنها تأتي من أرض الحرمين الشريفين العالقين في وجدان كل مسلم ومن أرض المقدسات التي يهفو إليها العالم، والأمر الثاني أنها تحمل اسم الراحل الملك فيصل بن عبدالعزيز المحبب إلى قلوب المسلمين وبخاصة المصريين بفضل مواقفه التاريخية التى لا تنسى، والأمر الثالث أن هذه الجائزة بنزاهتها وتنوعها واختيارها للعلماء دون نظر إلى لون أو جنس أو دين تؤكد عالمية الإسلام وأنه دين علم وحضارة، وهي تحمل سلاحًا مضادًا لكل من يحاول النيل من عظمة الإسلام ووسطيته، فكل عام تعلن الجائزة أن الإسلام دين الحضارة والتعايش والسلام والإبداع في مختلف المجالات وما يجعل الحاصلين علي هذه الجائزة أكثر فخارًا واحترامًا إنها تتميز بالحيادية فلا تعرف المجاملة أو الانحياز للقطر أو للثقافة أو للدين فمن يحصل عليها لا يكون إلا من خيرة العلماء في مختلف التخصصات.
رؤية حضارية
* أي رؤية حضارية تستبطنها هذه الجائزة؟
لم يكتب أحد يوما مشككا في نزاهة هذه الجائزة التي ارتدت ثوب العالمية بامتياز، وهي خير رد على كل مشكك في الإسلام وحضارته وفي منهج الوسطية والاعتدال الإسلامي الذي ما حاد عنه أحد حتى ضل طريقه ومما يحقق لي السعادة انني رابع أستاذ يحصل عليها من جامعة عين شمس حيث حصل عليها من قبل الدكتور عبدالقادر القط والدكتور عزالدين إسماعيل والدكتور مصطفي ناصف وهذا إنصاف للجامعة وللكلية التي تخرج العلماء والمفكرين.
جرائم المارقين
* كيف ترون هذا العمل الحضاري في ظل محاولات إظلام الحياة في عالمنا العربي؟
رسالتي للمثقف العربي على وجه الخصوص أو بعض من شذ منهم لا تحمّلوا الإسلام بجرائم بعض المارقين من أبنائه لأنه يحمل كل معاني الإبداع، وإذا كان البعض يظن أنه يمكن ان يستغل حالة التردي فهذا يحتاج إلى مواجهة من يسيئون للإسلام من جماعات العنف والإرهاب ولا يحتاج أن نهيل التراب على الإسلام نفسه خاصة من قبل المثقفين العرب، والجائزة حافز على الإبداع لخدمة الأمة في مختلف المجالات الهجوم على الإسلام.
غفلة المثقفين
*ولماذا حالة القلق التي تنتابك على واقع الأمة الثقافي؟
للأسف بعض المثقفين في عالمنا العربي انتهزوا الظروف الفكرية والسياسية التي نمر بها للنيل من الإسلام نفسه فبدا بعضهم مفتقدًا التخصص والعلم الكافي لذرع أباطيل وأكاذيب كالقول بأن كتاب البخاري لم يكن بخط يده، وأن أحاديث البخاري تتناقض مع الإسلام، ثم نجد ثورة أخرى لإحياء فكر فرج فودة وربطه بسيد القمني وإسلام بحيري وأنا لا أقصد هذا الأسماء ولكن أقصد رموز حاولت باسم الإبداع أن تقوض الإسلام وهناك محاولات من البعض لتشويه الإسلام عنوة دون علم وتخصص حتى كبار المثقفين والمفكرين وقعوا في هذا الفخ إما بالدفاع عن هؤلاء المرجفين أو ركوب مراكبهم، وللأسف يغيب العلم والتخصص وتحول المثقفين إلى مفتين ومجتهدين في الإسلام وهو ليس اجتهادًا وإنما هدم لأنه لا يقوم على علم صحيح، كما أن هناك ثوابت في الإسلام فالعقيدة والعبادات لا يجوز الخوض فيها. أما المعاملات فهي ما يصح فيها الاجتهاد والتعاطي الفكري والحوار، ولكن يجب أن لا يمتد الحوار والجدل إلى العقيدة والعبادات.
خطر داهم
*وكيف يمكن حل هذه الإشكالية التي تولد جدلا لسنا بحاجة له؟
على العكس المؤيدون لمنهج التشكيك يرون أن الوقت مناسب الآن تمامًا لمحاولات التشويه والنيل في ظل خطر داهم يتهدد المسلمين هو الإرهاب، ولذا ادعو إلى قانون يجابه العدوان على القيم والأخلاق والدين لأن هناك مساحة رمادية بين حرية الفكر والإبداع وبين التطاول والتشويه. ولو أحسن الجميع لساروا في مسار الوسطية لأن الإسلام دينها ويحمل منهجها بطبيعته الربانية كخاتم الأديان ولو التف الجميع حول الوسطية لما شُوّه الإسلام، وما كان الإرهاب والانحراف الفكري.
فقاعات وفخ
*وكيف نواجه خطر الإرهاب وتشويه الإسلام؟
بالحوار الفكري، فهو مهم جدا؛ ولكن يجب السؤال عن طبيعة الحوار بين من ومن، إذ ليس من حق أي إعلامي أن يكون فقيهًا أو مفكرًا، ويجب أن يكون الحوار بين أهل الرأي والاختصاص لبناء كيان فكري سليم. ولو عدنا إلى مرحلة احترام أهل العلم والتخصص لوجدنا أن هذه الفقاعات كانت قليلة في السابق ولكن الآن كل من هب ودب يشرعن لنفسه في الإعلام وللأسف مفكرون كبار وقعوا في هذه الفخ وظنوا في الإسلام ما ليس فيه.
واقع الابداع
*وكيف ترون واقع الإبداع في عالمنا العربي اليوم؟
للأسف الإبداع مرتبط في الأساس بالاستقرار ومن ثم حركة الإبداع تكاد تكون متوقفة في بعض الجوانب؛ ولكن ما يسوؤني كثيرًا ما أسميتهم بالأدباء الجائلين مثل الباعة الجائلين الذين ضيقوا علينا الميادين فهناك مبدعون وهناك مدعي الإبداع وهم كثر الآن ليست لهم مرجعيات فكرية أو لغوية، ويزاحمون الكتاب الأصلاء بإنتاجهم الهزيل، ويفعلون ما يفعله الباعة الجائلون. والمألوف أن تظهر ملامح الموهبة الإبداعية فى العشرينيات لتواصل نموها كى تبلغ مرحلة النضج والاكتمال، والقراء يتابعون هذه الموهبة مرحلة وراء مرحلة خلال ممارستها الإبداعية إلى أن يحقق كل صاحب موهبة مكانته الأدبية بين نظرائه ولكن هؤلاء ظهروا فجاة في الساحة الابداعية فجاة ولندرك مثلا تناول قصة كتبها نجيب محفوظ أسماها (الأيام) وهو فى الخامسة والعشرين، ونزار قبانى أصدر ديوانه الأول (قالت لى السمراء) وهو فى الثانية والعشرين، ويوسف إدريس أصدر قصته الأولى (أنشودة الغرباء) وهو فى الثالثة والعشرين، ويوسف القعيد اصدر مجموعته الأولى (الحداد) وهو فى الخامسة والعشرين، وإبراهيم عبدالمجيد أصدر روايته الأولى (فى باطن الأرض) وهو فى السادسة والعشرين، أما جمال الغيطاني فقد أصدر قصته الأولى وهو فى الثامنة عشرة.
خصومة متوهمة
*وماذا عن اشكالية استخدام الفصحي والعامية في الإبداع الأدبي؟
بعض دعاة العامية يفترضون خصومة بينها واللغة الفصيحة وهى خصومة متوهمة من وجهة نظري، فالعامية تؤدي وظيفتها الاجتماعية والثقافية دون صدام مع الفصحى، إذ تتردد على أسماعنا وأبصارنا فنون العامية المختلفة وفي الوقت نفسه تتردد على الأسماع والأبصار فنون الفصحى المتنوعة والمجتمع يستقبل هذه وتلك بوصفهما أداتي اتصال مشتركة مع مراعاة أن لكل منهما وظيفتها الحياتية والجمالية دون إحساس بمثل هذه الخصومة المتوهمة، وقد منح مبدعو العامية جائزة النيل والتقديرية والتشجيعة. وعلينا التنبه إلى أن سيطرة العامية بصورة مطلقة يعني إغلاق الذاكرة العربية بكل محتوياتها الحضارية والثقافية والتاريخية وهو ما يعرض (الهوية) العربية للغياب لحساب هوية طارئة يمكن أن نسميها هوية العولمة.
واقع بائس
*ومن أي الزوايا تقرؤون واقع الشعر العربي؟
الواقع الشعري ليس في حالة جيدة. أنا مهتم بنقد الشعر وهو اهتمامي الأول وكثيرًا ما تأتيني دواوين لشعراء من العالم العربي ولا أجد فيها ما يستحق القراءة وهذا يزعجني كثيرًا لأن الشعر هو ديوان العرب وهو الذاكرة العربية والمعبر عن تحولات الواقع سياسيًا وثقافيًا وأخلاقيًا ونفسيًا وحين تكرم جائزة فيصل العالمية أحد المهتمين بهذا المجال فلأن هناك قناعة بأهمية الشعر والنقد الأدبي والشعري.. فالشعر تاريخ مواز لتاريخ الأمة ويفهم على أنه يصور التاريخ بكل مشتملاته وربما تكون هناك حالات استثنائية كان يطلق على الشعر انه فن شعبي أو إنه لصيق بالمديح والأكاذيب؛ ولكن الشعر من وجهة نظري هو عمل الخاصة وهو وجدان الأمة التي يحمله كبار مفكريها والموجوعون بآلامها.. ورغم ذلك الشعر سيظل موجودًا، وهناك زخم شعري كبير، ويكفي ان شاعرًا كالمتنبي لا تزال أصداؤه باقية حتى الآ.
*ولماذا لم يعد هناك احتفاء بالشعر كما كان في الماضي؟
هناك منافسات كثيرة للشعر ولم تعد المنتديات الأدبية والاهتمامات الثقافية هي كل ما يشغل المثقف أو المهتم بالعمل الأدبي فيظل الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من التقنيات الحديثة التي فرضت نفسها على واقع الناس ولكن يظل للشعر خصوصيته بين كل هذه الفنون لأنه يتحدث عن عمق المشكلات ويصل بك إلى أقصي درجات التصور الإنساني للواقع وقصيدة واحدة لشاعر كبير تكفي لقراءة الواقع كله.
* مَن مِن شعراء المملكة يعجبك ؟
الأمير عبدالله الفيصل، والشعر الراحل حسن قرشي، ومحمد حسن فقي، ومن الجيل الجديد أحمد الزهراني. والمملكة لها باع كبير في الشعر والأدب، وتحتفي بشعرائها وكتابها. والحركة الثقافية بها بشكل عام تستحق الاحترام والتقدير.