مما لا شك فيه على الإطلاق أن المملكة العربية السعودية تشهد حملة إعلامية شرسة، من جهات معلومة ظلت تسخر كل المنافذ الإعلامية، سواء الرسمية أو الخاصة في سبيل إشاعة حالة من الفوضى عبر خطاب إعلامي تجاوز كل الأعراف المرعية في الأخلاق واحترام الحدود، حيث ظلت المملكة هدفًا لخطاب إعلامي يعمل بطاقته القصوى من أجل نشر الأكاذيب والأباطيل، وتشويه سمعة المملكة على كافة المستويات، وفق نهج مخطط ومدروس، الأمر الذي لم يعد الصمت عليه مجديًا، أو التغاضي عنه ممكنًا، أو حتى التعامل معه بالجهود الفردية أمرًا مستحبًا، إذ يرى كثير من المثقفين والإعلاميين أن الوقت قد حان لتشكيل منظومة إعلامية سعودية تنطلق من استراتيجية إعلامية واضحة المعالم، متكاملة الأدوار، معلومة الأهداف، للتصدى لمثل هذه الترهات التي درجت على بثها جهات إعلامية تنطلق إما من آيديولوجيات مشبوهة، مرتكزة على قواعد طائفية ومذهبية، أو منصات إعلامية مأجورة تفتح «حوانيتها» الإعلامية متجرًا لمن يدفع لتروّج له دون أي اعتبار لماهية الرسالة الإعلامية، وصورة التزامها الصدق والمنهجية في ما تطرحه.. مقترحين كذلك أن يتم تفعيل دور المثقفين بشكل أكبر، وفتح النوافذ الإعلامية المتعدد أمامهم من أجل تشكيل رأي عام واضح المعالم، يستهدف تحصين الشباب من غوائل الأفكار المشبوهة الوافدة، والأكاذيب المبثوثة التي تسعى إلى خلخلة تماسك البنية الداخلية المتماسكة حول القيادة والوطن، حاثين الجهات المعنية على تفعيل دور التقنية الحديثة في إيصال رسالة المملكة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، مع اختيار العناصر المناسبة لأداء هذا الدور المرحلة الراهنة.. مع إيلاء الرسالة الإعلامية السعودية الخارجية عناية خاصة باختيار المفردة المناسبة، والجهات المستهدفة بشكل مباشر وواعٍ ومدروس.. جملة هذه الآراء في سياق هذه القضية هل الدور المنتظر من الإعلام السعودي لمواجهة الهجوم الإعلامي الممنهج على المملكة العربية السعودية..
خطط مدروسة
وحول ما تتعرض له المملكة خلال هذه الفترة من هجوم إعلامي ناشد رئيس تحرير جريدة عكاظ سابقًا الدكتور هاشم عبده هاشم الإعلام بالعمل الجاد والمدرك لخطورة ما يحاك تجاه المملكة قائلاً: على الجهات الإعلامية أن تعمل بكفاءة وإدراك لكافة الحقائق، والعمل بخطط علمية مدروسة بالتعاون فيما بينها وبالتكامل بين عناصرها، وبتوزيع محكم ودقيق للأدوار وبخطوات مدروسة هدفها الأول والأخير تحصين بلادنا ومنطقتنا من الداخل، وتنظيم العمل الإعلامي لمواجهة الأعداء والمتربصين بنا والارتفاع عن الصغائر وذلك بتعزيز اللحمة الوطنية والتوقف عن الخوض في الأمور التي لا توحد ولا تجمع صفوفنا والعمل على ترسيخ قواعد الوحدة الوطنية وعدم إثارة النعرات والحروب ضد بعضنا البعض، وكذلك باختيار لغة علمية راقية في التخاطب مع عقول شعوب العالم الأخرى لمواجهة المخططات الخطيرة القائمة على الارهاب والعنف والتشدد وتمزيق الشعوب من الداخل.
ويتابع هاشم حديثه مضيفًا: هناك عدة قضايا لابد من الانتباه لها، أولها أن المملكة تتعرض للاستهداف المباشر، وفي أكثر من صورة سواء من قبل بعض الدول والأنظمة أو الجماعات والفئات المتضررة لسياساتنا الجادة لإخرج المنطقة من حالة عدم الاستقرار، أو من قبل وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة وكذلك السوشيل ميديا. أما القضية الثانية فهي قدرة المملكة على الصمود لمواجهة المخططات الخطيرة التي تريد تقسيم المنطقة وإعادة رسم خارطتها من جديد.
وتأتي القضية الثالثة والأهم والمتمثلة في تضعضع العديد من دول المنطقة من الداخل بفعل التدخلات الأجنبية في شؤونها الداخلية ووجود أدوات محلية عملية تساعد تلك القوى على فرض هيمنتها على أوضاعها الداخلية وخدمة مصالحها فيها.
وبالإجمال أستطيع أن ألخص الرؤية حول هذه القضايا الثلاث في أن المملكة تتحرك وفق أهداف استراتيجية بعيدة المدى لمنع انهيار المنطقة من داخلها، وذلك بالعمل على عدة محاور:
* المحور الأول أمني؛ وذلك بعقد تحالفات قوية مع العديد من الدول من داخل المنطقة وخارجها.
* المحور الثاني اقتصادي؛ بإعادة تشكيل البنية الاقتصادية سواء على مستوى الداخل أو على مستوى السياسات المنطقية في العالم بقيادة مبادرات حيوية داخل أوبك وخارجها وإقامة تحالفات اقتصادية واستثمارية ضخمة لتعزيز قدرة دولنا وشعوبنا على البقاء والاستمرار والنمو.
* المحور الثالث سياسي؛ وذلك بالبحث عن معالج إخراج جميع القوى والأطراف الخارجية من المنطقة وتأمين سلامتها من الداخل.
ويختم هاشم حديثه بقوله: إنني لا أشعر بأي قلق، إن على المستوى القريب أو البعيد تجاه انتصار العمل الكبير والضخم الذي نقوم به على كافة الأصعدة لاسيما وأن شعب المملكة يدرك تمامًا حقيقة الأوضاع وطبيعة المرحلة التي نمرّ بها، ويدرك أهمية الالتفاف حول بعضنا البعض وتحمّل تبعات الأوضاع الحائرة التي تمرّ بها المنطقة والعالم، التماسك من الداخل مطلوب وضروري وأساسي في المضي في مخططاتنا التي سمّيناها بعناية للحيلولة دون وصول الخطر الينا، حيث وجدنا أنفسنا أمام واقع خطير يهمّ بالتهام دولنا واحدة بعد الأخرى وتحويلنا إلى دويلات، بل كانتونات صغيرة يتحكم الآخرون في مصائرنا ويشردون شعوبنا في مختلف أرجاء الأرض، كما هو الحال الآن بالنسبة للشعب السوري والعراقي والليبي واليمني نتيجة لمخطط إعادة تقسيم المنطقة ورسم خارطة جديدة تقوم على أساس إضعاف الكل والتحكم في مواردنا وثرواتنا والاستيلاء على مقدراتنا وسلبنا جميع حقوقنا، وهذا يترتب على كافة مؤسسات الوطن الأمنية والثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والمجتمع المدني والإعلام.
المهاجمون صنفان
وفي ذات السياق طالب أستاذ كرسي اليونسكو للإعلام المجتمعي الدكتور عبدالله الحمود وسائل الإعلام والمثقفين ومن يمتلكون التأثير داخل المجتمع أن يقدموا خطابًا يؤثر على أبناء المجتمع تأثيرًا إيجابيًا يشعرهم بالرضى لكي لا يصبح أداة في يد الأعداء، قائلاً: الآلة الإعلامية العالمية ضخمة متعددة، ولها خلفياتها الأيديولوجية الخاصة بها، وكذلك الداعمون لها، ومن ترتزق هي من تحقيق مكاسبهم وأطماعهم، فالإعلام العالمي الذي يهاجمنا اليوم صنفان؛ إما إعلام مدفوع بآيديولوجيا معارضة أو إعلام مدفوع له حتى باع مهنته وحفته، فعلينا وعلى إعلامنا ومن لهم تأثير تحقيق أمرين مهمين:
* الأول أن نستطيع نحن كمجتمع أن نجعل شعور أبناءنا نحونا إيجابيًا راضيًا بكل ما يتطلبه ذلك من عمل جاد وحقيقي ودائم، ودون نجاحنا في هذا الأمر سيجد الإعلام المغرض فينا من يسمع له مع الأسف.
* أما الثاني فهو أن نضمن أن إعلامنا بكل مفاصله يعمل لتحقيق ذلك الرضا وينجح في عمله، وعلينا عدم الانسياق وراء الآلة الإعلامية المبهرة والذود عن حياض الوطن وتفويت الفرصة على مريدي الاختراق.
أغراض مسمومة
وتأتي رؤية الدكتور بندر بن عبدالعزيز الحارثي، أستاذ الإعلام بجامعة أم القرى، مضيفة مزيدًا من المقترحات لما يجب أن يقوم به الإعلام والمجتمع على حد سواء صونًا لتراب الوطن من الهجمات الإعلامية التي يتعرّض لها، والاستهداف الذي يتناوشه من الأعداء، حاصرًا ذلك المقترح بقوله:
* علينا أن نشد من لحمتنا وتماسكنا، وتعميق اللحمة في ظل الشريعة الإسلامية، وبذلك نكون توكلنا على الله حق التوكل.. ويد الله مع الجماعة.. وهي العليا بإذن الكريم..
* علينا تجنب الانجراف حول ما يدور في الإعلام الممنهج سواء في الداخل أو الإعلام الخارجي ذي الأغراض المسمومة.
* يجب على وسائلنا الاعلامية اتخاذ ما ينفع نحو مجتمعنا وتصدير الحقائق للإعلام الأجنبي.
* البعد عن المهاترات فيما لا ينفع ولا يقدمنا خطوة واحدة
* العمل على المصداقية والحذر مما يوجه نحو الداخل الشعبي
* بث رسائل هادفة للإعلام الأجنبي
* اختيار محطات عالمية من خلالها ايصال الرسائل الحقيقية والتعريفية بكذب المرجفين والدعائيين.
مختتمًا بقوله: هناك حول العالم وسائل إعلام معتدلة وصادقة إلى حد ما؛ مما يستوجب أن نعنى برسالتنا الإعلامية عن المملكة العربية السعودية، فمن شأن ذلك أن يؤثر في الرأي العام الدولي، وفي الساسة من خلال تأثيره على ساحاتهم الشعبية، وهذا أمر يحتاج إلى بارعين يتحركون بذكاء وحنكة.
تفنيد الأغاليط
ويؤكد الكاتب محمد بن أحمد الحساني أن للإعلام دوره البارز في الدفاع عن الأمة والوطن وهذا ينطبق على كل الأمم والأوطان فكيف إذا كان هذا الوطن هو الأرض التي تحتضن الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة وينطبق عليها المثل القائل: كل ذي نعمةٍ محسود.. فترى هذا الوطن الكبير يتعرّض بين الفينة والأخرى لحملات إعلامية من شرق ومن غرب أوروبا ومن دول الجوار التي لا يروقُ لها هذا الاستقرار والنماء الذي يعيشه وطننا الغالي.
ماضيًا إلى القول: من واجب الإعلام بجميع أقسامه المرئي والمسموع والمقروء وبقيادة وزارة الثقافة والإعلام وبمبادرة من المثقفين والإعلاميين والصحفيين وأصحاب الاقلام ألاّ يتخلوا عن هذا الواجب وهو الدفاع المستميت عن الوطن ومقارعة الحجة بالحجة وتفنيد كل الأغاليط التي تصدر عن الإعلام المعادي سواءً ما يتصل بالأوضاع الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو ما ينسبُ إلى المملكة من تهم أثبتت التحقيقات أن لا علاقة للمملكة بها من قريبٍ أو بعيد بما في ذلك التحقيقات التي أجريت في أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما دار من لغط حول بعض صفحات التحقيق التي اتضح بعد نشرها أن ليس فيها حرفٌ واحد يدين المملكة مع أنه كانت تدورُ مزاعم قبل نشرها أن فيها إدانة جزئية للمملكة التي أصرّت ممثلةً بوزارة الخارجية على نشر تلك الصفحات فكانت البراءة التامة ودحض جميع الافتراءات التي رافقت حجب تلك الصفحات ومع ذلك تمت الموافقة على قانون «جاستا» الذي انقسم حوله الأمريكيون أنفسهم واعتبروه يلحق ضررًا بمصالح الولايات المتحدة الامريكية.
وأشار الحساني أن مواجهة هذا القانون تكون بالعمل الإعلامي القانوني الذي يفند كل تهمة توجه لدحضها في مهدها مشددًا على أهمية المشاركة الإعلامية على المستويين الرسمي والشعبي للتصدي لهذه الحملات فهي معركة حملة الأقلام وميدان واجبهم تجاه وطنهم.
حملة وطنية
ويتفق الدكتور هليل محيسن العميري، أستاذ الإتصال والعلاقات العامة بجامعة أم القرى، مع كافة سابقيه في أن هذه الحملات الموجهة تهدف إلى النيل من بلادنا واستقرارها، وكلها عبارة عن جملة من المغالطات والتحليلات التي بطنت بالأكاذيب اعتمادًا على الإعلام الغربي والفارسي وتحليلات كُتّاب لا تخفى اهدافهم في ممارسة الضغط السياسي والنفسي على بلادنا وشعبها وقيادتها، ويمكن مواجهتها بسرد الحقائق وتفنيد هذه الأكاذيب وبطريقة عقلانية مقنعة ويشترك في هذا الجهد جميع أفراد الشعب، وأبسط السبل عدم المساهمة في نقل محتوى هذه التحليلات وإعادة نشرها. ويتابع العميري حديثه مستعرضًا دور رسائل الإعلام المحلية في المواجهة بقوله: هناك دور بارز وأساسي لوسائل الإعلام المحلية ومن ذلك تصميم حملات مضادة ذات محتوى فكري يخاطب المجتمع المحلي وينبع من دينه وثقافته الإسلامية، ولا أفضل من أن تتوحد الجهود والرسائل الإعلام بحيث تركز على محتوى يدحض الأكاذيب الوافدة، داعمين تلك الحملات بالحقائق والأرقام والإحصائيات، دعمًا للموقف الرسمي لبلادنا. ولعل من المناسب هنا إشراك منصات التواصل الاجتماعي في صنع هذه الحملات المضادة، وتشكيل جبهة وطنية لصد الحملات المغرضة بحيث نستفيد من الانتشار الواسع للتواصل الاجتماعي وضمان الحد من إعادة نشر مثل هذه التحليلات والأفكار الماكرة.
ويخلص العميري للقول: تقع على عاتق مثقفي بلادنا مسؤولية كبيرة في تحقيق هذه الرؤية، وذلك من خلال شرح وتحليل الخطر المحدق الناجم عن استقبال وتصديق حملات أعدائنا المغرضة، ولعل الأفضل أن يركز المثقفون على إبراز إمكانيات بلادنا السياسية والاقتصادية وربما العسكرية، ثم التركيز على الجهود التي تبذلها المملكة وقيادتها في سبيل حفظ الأمن العربي وعدم النيل منه.

تحديات تنتظر الإعلام السعودي:

  • العمل الجاد والمدرك لخطورة ما يحاك تجاه المملكة
  • دراك كافة الحقائق ووضع خطط علمية مدروسة للتعامل معها
  • استشعار روح التعاون بين كافة وسائل الإعلام وتكامل عناصرها
  • توزيع الأدوار بشكل محكم ودقيق لتحصين بلادنا ومنطقتنا من الداخل
  • الارتفاع عن الصغائر بتعزيز اللحمة الوطنية
  • ترسيخ قواعد الوحدة الوطنية وعدم إثارة النعرات والحروب
  • اختيار لغة علمية راقية في التخاطب مع شعوب العالم الأخرى
  • اختيار محطات عالمية لايصال الرسائل الحقيقية والتعريفية بكذب المرجفين والدعائيين