أنا مغرم وشغوف بالبحث العلمي، وشغفي بالبحث لقيتُ بسببه نتائج وآثارًا سلبية على نفسي ودراستي، وشهاداتي وعملي نتيجة فرط حماسي.. ومع هذا كله لم أسبق اسمي بلقب الباحث.
حصولي على شهادات في البحث، ومشاركاتي المحلية والعربية في المؤتمرات لا أظنها تشفع لأن أنافس في الظهور بمسمى الباحث طالما لم أنتج بحثًا محكمًا في مجالي يليق بالقارئ المهتم، ويناقشه المختصون.
يلاحظُ اليوم كثرة الأسماء المدّعية للبحث، وخاصة في موضوع الآثار وتحديدًا آثار المدينة النبوية وتاريخها.. حتى أنها أضحت تضاهي رقم الرقاة في البلد! ولا أظنّ أن كثيرًا من هؤلاء عرفوا قيمة البحث العلمي ومعناه، وما تضيفه عملية البحث والصفة للشخص من اتّزانٍ وتعلّق بالمعلومة والتنقيب عنها بين الوثائق، والجري وراءها بين الهضاب والسهول والوديان بنفس وتيرة وقوة النشاط في استعراض أسماء وكالات الدعاية والإعلان لمحاولة كسبها والتفاوض مع وكالات السياحة والسفر!
ليس معيبًا على الإنسان أن يبذل في كسب العيش الحلال، ويجدّ في ذلك بعد أن يمتلئ معرفيًا ويقدم محتوى علميًا جيدًا، وساعتها إن استطاع أن يقسم جسده أجزاء يوزعها بين الأنشطة والجهات والمحاضرات والجولات السياحية واللقاءات التلفزيونية فليفعل! أما مسألة «الإرشاد» الممارسة حاليًا من كثيرين ولا ترتقي لدرجة البحث، وليس هذا مجال مناقشة الموضوع لأنه ليس من اختصاصي، وعلى هيئة السياحة وضع ضوابط للمرشدين وتأهيلهم والتشديد في ذلك.
أما من يضلل الناس ويوهم المتابع والمهتم بقيمته كباحث، وهو لم يضف شيئًا في المجال، فهو صادق في الوصف في حالة واحدة.. أنه هو ورفاقه من المتطفلين باحثون حقيقيون عن الرزق ولقمة العيش لا عن المعلومة!
فليس كلّ من حفظ بعض كتب التاريخ باحثًا، فارحموا البحث العلمي منكم.. فيكفي امتهانه في بعض الجامعات! وابحث في قوقل عن (أدلجة البحث العلمي) لتفهم ما أقول.
وحين أقول إنه لم يُضِف شيئًا فلا تقل: ليس من واجب الباحث أن يضيف، فهذا يناقض أبسط أبجديات البحث العلمي -بحسب ما درسنا- من أنه يقتضي البحث من الباحث أن يقارن بين دراسات سابقة، ويحلل النتائج أو يتوصل إلى جديد في البحث، ويقترح؛ لا أن يردد معلومات قديمة ويعلّق بطاقة (باحث) وهو ليس بباحث؛ فهذا حرام عُرفًا وشرعًا وعلميًا وصحّيًا ونفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وتسويقيًا و(تاريخيًا)! والذي تدلّون الناس على آثاره أمركم أن ألا تفعلوا!.