أكرمني معالي الدكتور عدنان المزروع بمرافقته الأسبوع قبل الماضي لمجلس فخم في جدة الحبيبة، ومن حُسن ظنِّي أنَّي تأخَّرت -رغم فوات الموضوع الأساس للجلسة-، لتُتاح لي الفرصة أكثر، فحضرتُ اللقاء الحميمي الأخوي، بعد انتهاء اللقاء الأول بعد صلاة المغرب.
وبعد صلاة العشاء، كنتُ أحسبُ أنِّي في طريقي سائرٌ إلى مجلسٍ كسائر المجالس، التي تكثر فيها المجاملات على حساب الإفادة، وفوجئتُ أنِّي كلَّما اهتديتُ إلى مثل هذه الأماكن العتيقة، أشعرُ بدوار من تيهٍ وضياعٍ، وفجوةٍ كبيرةٍ بين ما نعيشه كشباب مفرطٍ في الحماسة بعيدًا عن التعقُّل والحكمة، وبين فُرصٍ ضخمةٍ تضيعُ علينا من حِكم الكبار!
في ديوانيَّة الأستاذ محمد عمر العامودي، الكاتب المعروف في (أخيرة) المدينة، في زاويته الشهيرة (حديث الأربعاء) شممتُ رائحة أهل الفضل والعظمة عن قُرب؛ لأنِّي في الأصل من عشَّاق جدَّة، وأهل جدَّة، ونسيجها المجتمعيّ المتداخل، والمنسجم، والقريب إلى القلب، فكيف إذا تجلَّى في مجلس ثقافي تلمس فيه أرواحًا صادقةً مقبلةً على الحياة، رغم صراعات الحياة وهمومها، تناقش بأدبٍ باذخٍ وطاغٍ.. نفوسٌ مبتهجةٌ، وذكرٌ لأعمال الخير، وحرصٌ على هذه البلاد، وولاءٌ لقادتها، وخبراتٌ متراكمة في العمل الحكوميّ والقطاع الخاص.
ما أعظم أهل جدَّة.. في عيني.. كبارها وصغارها، تجّارها وأبناء حواريها، ورحم الله الأستاذ محمد صادق دياب، الذي قرأتُ عنه أنَّه كان يبكي جدَّة كثيرًا في كتاباته، وأطال في عمر أساتذتنا الكبار، الذين نرى فيهم صورًا عظيمةً، ليتها كانت أقرب للشباب.. وسامح الله مَن كان سببًا في هذه الفجوة!
ثمَّ أين المدينة المنورة عن مثل هذه المجالس العتيقة؟! لماذا لا نستنسخ تجربة جدَّة.. رغم أنَّ المدينة -لمن يعرف تاريخها- كانت سبَّاقة، ولها تاريخ كبير في مجال المنتديات الثقافيَّة، والمجالس اليوميَّة، والأسبوعيَّة.