للمرَّة الثالثة، يتوافق هذه السنة حلول شهر ميلاد رسولنا الكريم محمَّد بن عبدالله صلَّى الله عليه وسلم، الذي أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، ومكمِّلاً لمكارم الأخلاق، مع شهر ميلاد السيِّد المسيح، عيسى بن مريم رسول المحبَّة والسلام -عليه السلام-. ويحتفل أتباع هاتين الديانتين السماويَّتين في أقطار العالم كافَّة بهاتين المناسبتين الكريمتين.

في العالم الإسلامي، تحتفل الأسرة المسلمة بهذه المناسبة، ويستعيدون معًا السيرة النبويَّة، وتُلقى في المساجد والمدارس المحاضرات عن الرسالة النبويَّة وانتشار رسالة الإسلام في أرجاء المعمورة كافَّة آنذاك، لما فيها من سموِّ أخلاق، وهداية، وتسامح. وتتعدُّد كذلك في وسائل الإعلام المسموعة، والمقروءة، والمرئيَّة، البرامج والمقالات والندوات التي تحثُّ على تجديد العهد باتِّباع دين الله، وسيرة رسوله ليحل السلام، وتصفو النفوس، وتتآلف الأرواح، ويعمُّ الخير والأمن والأمان أرجاء العالم.

وفي البلدان المسيحيَّة، تُنصب الزينات، وتُضاء الأنوار، وتُدقُّ نواقيس الكنائس داعيةً المصلّين إلى سماع وعظات القساوسة، تُحدثُّهم عن المسيح عيسى -عليه السلام-، ويتبادلون الدعوات إلى موائد طعام سخيَّة وكريمة. وتقدَّم للأطفال الهدايا والألعاب، وتكون في هذه الأيَّام مكلِّفة ومرهقة لميزانيَّة أسرهم. ومع أنَّ العديد من الدول تعطي موظَّفيها ومستخدميها راتب شهر، أو شهرين إضافيَّين لمواجهة هذه المصاريف من جهة، ولتحريك الأسواق، وتصريف إنتاج المصانع من جهة أُخرى، لينطبق على دورة المال هذه المثل الشعبي: سمننا في دقيقنا، ومن دهنه سقِّي له. ومع ذلك، يفتقر الملايين من سكَّان العالم إلى نصيبهم من السمن والدقيق، ومن تسقية فتات خبزهم بالماء والملح! لا بل حتَّى يحرمون من كسرة خبز، وحفنة أرز، إلى جانب افتقار غالبيَّتهم إلى سقف يؤويهم، وفراش ينامون فوقه. فعدد المشرَّدين واللاجئين، وفاقدي بيوتهم ومصدر عيشهم بازدياد مطَّردٍ غير مسبوق منذ انتهاء الحرب العالميَّة الثانية في عدد القتلى، والجرحى، والمعاقين، والمفقودين، والأرامل، والأيتام، وما صاحب ذلك من هدم وتدمير لمدنٍ عديدة شهدت حضارة الإنسان منذ أن بدأ الكتابة والقراءة. كلُّ ذلك بسبب طغيان مَن استولوا على قيادة العالم، وتجبُّرهم، ليوجِّهوا ثروات الأمم والشعوب لرفاهية شعوبهم، وأعوانهم دون حسيب، أو رقيب. فغالبيَّة مَن يحكمون شعوبهم في هذا الزمن مدينون بمراكزهم، وسلطتهم إلى الدبابات التي أوصلتهم إلى رئاسة بلدانهم، بضوءٍ أخضر من واحدة من القوَّتين العظميين، بعد موافقة سامية من ربيبتهم إسرائيل، التي يُوجِّه مُفكِّروها وعسكريُّوها بوصلة مصالح الدول الكبرى شرقًا وغربًا، بعد أن قبض أتعابها مزيدًا من الاستيطان فيما تبقَّى للفلسطينيِّين من أرضٍ محتلَّة، ولزرع قواعد إسرائيل الكبرى المحاطة بالماء من أطرافها الأربعة. وأتساءل عمَّا إذا كان جيلنا، أو جيل أبنائنا سيشهد انفراج الكرب الذي تعيشه شعوبنا العربيَّة، وأمَّتنا الإسلاميَّة، ليرتفع مجدَّدًا الأذان من المساجد، وقرع الأجراس من الكنائس، فرحةً بعودة الأمن والأمان!! وتوقّف نزيف الدم، والمتاجرة باسم الله من مجموعات مرتزقة، تتكسَّب من سفك الدماء، وهدم القيم والأخلاق، والعبث بكرامة الإنسان؟!.