كنتُ شاهدًا «شاف» كلّ حاجة، وليس مثل عادل إمام ما «شَفْشِ» حاجة، على زيارة مُبرمجة لمسؤول رفيع كُلِّف حديثًا لإحدى جهات عمله المتناثرة غربًا وشرقًا!.

ومربط الفرس ليس مضمون الزيارة، بل ما حصل قبلها وخلال يوم الزيارة عند إطلالة المسؤول، وهاكم التفاصيل:

لقد أُجريت قبلها عمليات جراحية تجميلية لمرافق الجهة، بسرعة الصوت ٣٤٣ مترًا/ الثانية، وربّما بسرعة الضوء ٣٠٠ ألف كم/ الثانية، سواء التي تقع عليها عينا المسؤول وحتى التي لم تقع عليها عيناه، فنُظِّفت شوارعها كما تُنظَّف شوارع برشلونة الإسبانية، ودُهِنَت أرصفتها كما تُدهن أرصفة لوزان السويسرية، وزُرِعت مداخلها بالورود كما تُزرع ميادين أمستردام الهولندية، الخ الخ الخ!.

وفي يوم الزيارة داوم عُمّال الشركات البنغلاديشيون منذ الساعة ٥ فجرًا لإسعاف المرافق من أيّ خدوش تُصيبها، وهم فعلوا ذلك خارج أوقات دوامهم الرسمي، وشُكِرُوا على موقفهم الشهم لدرجةٍ صاروا يقولون بعد الزيارة بما في جُعبتهم من لغة عربية: «اِسْ» في كلام؟ «فين» مكافآت خارج الدوام؟.

أمّا المديرون وموظّفوهم فقد ثبّتُوا أنفسهم في مواقعهم الوظيفية بمسامير صُلْب أصلية، بدون «فلْتَة» ولا أختها «زُوغة»، ولم يمرض أحد، ولم يكن لأحد مراجعة لدى جهة أخرى، ولم يُوصّل أحد أولاده للمدارس ويُعيدهم منها، وثباتُهم يشبه ثبات المحاربين الشجعان في قول الشاعر:

الحربُ صبرٌ واللقاءُ ثباتُ

والموتُ في شأنِ الإلهِ حياةُ..!.

أو في المثل الشعبي «حُطّنِي تِلْقانِي» الذي يُضرب للشخص الذي لا يتحرّك من مكان إذا قَبَعَ فيه!.

عفوًا، انتهت الـ٢٥٠ كلمة المُخصّصة لمقالي، وأختم بدعاء فآمِّنُوا معي:

اللهم اجعلنا نعامل كلّ أيام السنة الـ٣٦٥ مثل يوم زيارة واحد من مسؤول رفيع كي تصبح جهاتنا ـ وليس هذه الجهة فقط ـ أنموذجًا رائعًا للعمل والإنتاج!.