بعد فصل الكنيسة الإنجليزيَّة عن البابويَّة، هدَّدت إسبانيا، التي كانت تعتبر نفسها حامية حمى الكاثوليكيَّة في العالم، بريطانيا، ورأت في خروجها تمرُّدًا على سلطات الله، والكنيسة، وفكَّرت في غزو إنجلترا لإعادتها لحظيرة الإيمان الصحيح بالقوَّة. فقرَّر الشعب الإنجليزي التنازل -مؤقتًا- عن حريَّاته الأساسيَّة التي حصل عليها من خلال وثيقة «الماجنا كارتا» في عام 1215، مقابل الحفاظ على أمن بلاده، واستقلاله الوطني.

*****

كان وقوف الشعب الإنجليزي مع الملك سببًا في رفع الروح المعنويَّة للجيش الإنجليزيِّ، وتمكَّن الأسطول الإنجليزيّ المتواضع القدرات من الانتصار على أكبر أسطول عرفه التاريخ، أطلق عليه اسم «الأرمادا» أيّ العظيم، وفتح هذا الانتصار الأبواب لتكوين الإمبراطوريَّة البريطانيَّة التي أخضعت البحار لسيطرتها، ولم تمر سنوات حتَّى بدأت المستعمرات الإنجليزيَّة في الظهور هنا وهناك.

*****

وبعد الانتصار، لم يكتفِ الشعب الإنجليزيّ بمجرد الحقوق القديمة التي بدأت مع «الماجنا كارتا»، فطالب بالمزيد، خاصَّة مع تقلص الإقطاع، ونشوء الطبقة الوسطي. واستطاع الإنجليز، عن طريق ممثليهم في البرلمان، من انتزاع كافَّة حقوقهم، فتشكَّل وجه الديمقراطيَّة الإنجليزيَّة الذي نال الشعب بموحبه حقوقه وحريَّاته، وتمكَّنت الدولة في الوقت نفسه من بناء قدراتها، فاستقامت الأمور، وظهرت إنجلترا في النهاية بمظهر الأمَّة الحاكمة القويَّة، التي لها الكلمة المسموعة في الشأن الأوربيّ، والعالميّ.

*****

وهكذا.. لا يبخل أيّ شعب ينتمي إلى دولة تُوفِّر له العيش الكريم، والأمن الاجتماعي، والحريَّة، والعدالة الاجتماعيَّة، وقبلها الكرامة الإنسانيَّة من أن يقف إلى جانب القائمين على شؤون الحكم فيها، حين تتعرَّض سلامة الدولة وأمنها للخطر.. فالشعب هو عمود الخيمة الذي ترتكز عليه قوة الدولة، ومكانتها في الداخل والخارج.

#نافذة:

لا تنجح دولة في أن تكون قوية في الداخل، ومحترمة في الخارج دون الاعتماد على ولاء شعبها، وعزيمته وإرادته.