• لو سألت عشرة أشخاص عن مفهوم السعادة ، فستخرج - في الغالب - بعشرة معانٍ مختلفة ، وربما متناقضة أيضاً ، ذلك أن لكل منا مفهومه الخاص بالسعادة ورؤيته التي تشكلت بناء على حاجاته وخبراته ، وبيئته وثقافته الشخصية والمجتمعية .. فهناك من يرى السعادة في المال والراتب، وهناك من يعتبرها في المنصب والسلطة .. بينما يؤمن آخرون أنها في الصحة الجيدة والاستمتاع بالحياة !. لكنك لو ضربت كل هذه التعريفات المختلفة في ( خلاّط) العقل الجمعي فلن تخرج بأكثر من عنوانين اثنين لا ثالث لهما ، أولهما هو الحياة الرغدة أو( جودة المعيشة ) كما ورد المصطلح في رؤية 2030.. ثم التساوي والعدالة في الحصول على فرص ومميزات هذه الحياة.. وهذا هو الأهم في رأيي .

• يخطئ جداً من يعتقد أن (العدالة الاجتماعية) تعني أن يحصل جميع المواطنين على دخل متساوٍ .. أو أن يتم رفع رواتب صغار الموظفين لتتساوى في القدرة الشرائية مع الأثرياء !! ..هذه أحلام طوباوية غير منطقية ولا ممكنة .. العدالة الاجتماعية تعني تساوي الجميع في الفرص .. لكن بالمقابل لابد من التساؤل : كيف يظهر المواطنون الأوروبيون - الأسكندنافيون تحديداً - وكأنهم متساوون فعلاً في كل أسباب معيشتهم وتعليمهم ومساكنهم ،بل وحتى قدراتهم الشرائية ؛ رغم تفاوت مداخيلهم ؟! ولماذا يتصدرون قوائم الشعوب الأكثر سعادة في العالم ؟!

• الإجابة ليست سراً ، فالأمر يتعلق بما يمكن تسميته بـ ( المظلة الاجتماعية ) وهي مظلة تقوم أعمدتها على رباعي (السكن والتعليم والصحة والتوظيف ) التي تعد أهم متطلبات المواطن في أي مجتمع ، ويجتهد المسؤولون هناك في وضع الخطط والبرامج التي تضمن وصول هذه الخدمات للجميع بعدالة وكفاءة عالية، ووقوف الجميع سواسية تحت هذه المظلة ، وهو ما يكفل لهم الرضا المعيشي والسعادة ، والقبول بالواقع الى الحد الذي يخيل لك معه أنهم فعلاً متساوون في رواتبهم ومداخيلهم .

• عندما يتساوى المواطنون في كل الفرص ، تذوب الفروقات المالية والطبقية والوظيفية بين العاطل والمسؤول، وبين العامل والملياردير .. لا امتياز لأحد .. الكل يأخذ ما يستحق دون حاجة لواسطة، ودون أن يدوخ ( السبع دوخات ) حاملاً سؤاله التقليدي ( تعرف أحد ) ؟! . ففي مجال الصحة مثلاً ،الجميع يتلقون نفس الرعاية الصحية ، وبنفس الكفاءة ، ودون تمييز ، ولعل بعض القراء يتذكرون كيف انتظر أحد وزراء السويد السابقين لأكثر من ستة أشهر من أجل إجراء جراحة في ظهره ، بعد أن تعامل معه المستشفى (كرقم) لا يختلف عن رقم أي أرملة أو يتيم .

• السعادة لا تحتاج لوزارات لفرضها .. السعادة في أبسط معانيها تعني العدالة في منح الحقوق والفرص والامتيازات،‏ مما يضبط المزاج العام ويشعر الجميع بالفخر والسعادة ، ويمنع في الوقت نفسه نشوء علاقات في الظلام تحتكر الفرص لنفسها‏،‏ وتثقل الفقراء وعامة الناس بنفقات الحياة ‏.