الحق أنني لا أستطيع على وجه الدقة تحديد ملامح الوجوه العربية التي ستتلاقى بعد غدٍ في جامعة العرب بخصوص ما جرى لحلب، ولأن حلب ليست بورما، ولا زامبونجا، ولا تركستان الشرقية، ولا كشمير، فإن منطق الأشياء يقول: إن أحداً لا يجوز أن يبتهج، ولا أن يُهنِّئ، ولا أن يفتخر، لأن انتصار الجيش العربي السوري في حلب كان على حساب جثة الشعب المكتئب.

بمناسبة الوجوه، لا يمكن للذاكرة العربية أن تنسى يومًا وجه وصوت «سعود الفيصل»، ردًّا على رسالة «بوتين» إلى القمة العربية في شرم الشيخ؛ وهو يُلقِّن العالم كله درسه العربي الأبي الأخير، مُحذِّرًا من مغبّة المصير.

كما لا يمكن أن ينسى عربي مخلص وجه وصوت عادل الجبير وحديثه المرير في وجه هواة ومحترفي الاختباء في القبور.

في ليلة انكسار حلب كانت هذه أحوال عواصم العرب.. مدن تدعو وتقنت لله، وأخرى تصرخ مطالبة بالنجاة، وثالثة تمضي عكس الاتجاه، ورابعة إذا قال فيها شيخ يا رب، قالوا له تأدَّب!

في تلك الليلة كانت هناك وجوه عربية تبكي وتنتحب، وأخرى نسيت الغضب، وثالثة تحوَّلت إلى خشب، ورابعة استكانت للكذب، وخامسة تجيد التقلُّب!

في تلك الليلة كانت هناك قلوب تبتهل، وأخرى تغتسل.. ونفوس تتبرَّع، وأخرى تشرب وتتجرَّع.

في صباح يوم الانكسار كانت هناك وجوه تشعر بالألم، وأخرى بالسأم، وثالثة بالعار، ورابعة تُصفِّق لما اعتبرته انتصار.

في ذلك الصباح وقف السفَّاح يزف التهنئة بالانتصار.. فيما كان الضمير العربي الحي يرمقه باحتقار.

في ذلك النهار كانت جدران حلب تُسجِّل باحتقار أسماء مَن عاشوا من العرب يُلاحقهم إلى الأبد الذل والعار.

صباح بعد غد ستُسجِّل ذاكرة العرب مَن صَمَد ومَن صَمَت، ومَن آثر الانزواء، ومَن رضي بالانحناء.

صباح بعد غد ستُسجِّل ذاكرة العرب مَن دافعوا عن مبدأ وعن قرار، ومَن أدمنوا الهروب والفرار، ومَن لا يُمانعوا في أن يلحقهم العار، طالما نجوا أو تخيَّلوا أنهم نجوا من الدمار.