(لم يصلِّ أحدُهم الرَّكعتين المألوفتين قبل القصاص، بعد ما أُشير إليه بأدائها! يا الله لحسن الخاتمة!).

توجَّع زميلي في العمل لهذه القصَّة المحصورة في سطرٍ واحدٍ، ونقل إليَّ هذا التوجُّع -إنْ صدقت القصَّة-، ولهذا التوجُّع وردَّة فعلي المصدومة حياله، دلالاتٌ عديدةٌ:

- في حديث الزميل إشارةٌ ضِمنيَّةٌ -خصوصًا بعد أن سأل الله حسن الختام- إلى أنَّ خاتمة المقتصِّ منه سيِّئةٌ!

- رسمَ معظم الناسِ صورة آليَّة ونمطيَّة للفعل الحسن -كأداء هاتين الركعتين مثلاً- حتَّى أصبح عادةً، فمَن خالفها دخل في دائرة المنكر، دون اعتبارٍ لأصل الفعل وغايته، والقصد منه. فالعلاقة الصادقة مع الرَّبِّ جلَّ وعلا -خصوصًا في صورة التوبة والندم- أوسع، وأعمق في التعبير عنها من انحسارها في نمطٍ معيَّنٍ، ويصعب شرح هذه العلاقة، وتفسير تداعياتها في أسطر!

- ليس أمام الإنسان في هذا الموقف -أجارنا الله وإيَّاكم- من شيءٍ سوى أن يقدِّم (أصدقَ) و(أخلصَ) ما عنده كآخرِ عملٍ له في هذه الدُّنيا، قبلَ أن يلقى ربَّه بعد لحظاتٍ! وهذا ما قد يكون سببَ إنكار النَّاس لمَن خرج عن المألوف!

- في الوقت نفسه، قد يخرج العقلُ أساسًا عن دائرة التكليف، من هول الموقف، والصدمة، وعدم الاستيعاب، وهو ما يعجز الإنسانُ فيه عن فهم أيِّ شيءٍ؛ فضلاً عن أداء صلاةٍ مكتملةِ الأركانِ بحضورٍ تامٍّ.

- هذا الموقف الرهيب، والصعب على النَّفس، لا يمكن حصرُه في صورة ردَّة فعلٍ مطلوبة من الكلِّ.. فالنفوسُ تتفاوتُ في الضعف والقوَّة، فمَن خرج عن المألوف لا يلزم أنْ يدخلَ دائرة الشكِّ، ومظنَّة السوءِ، فربَّما كان (أصدقَ) في التوبة، والموقف أبعد من هذا التصوُّر السطحيِّ لمَن لم يذق الأمر، ويعلِّق عليه ممسكًا بجوَّاله على كرسيّه، وأمام مكتبه!

- يتفنَّن كثيرٌ من النَّاس في التعليق على قضايا ذات حساسيَّة دينيَّة وإنسانيَّة دون مهلةِ تفكيرٍ، وتحرِّكهم العواطف (المؤدلجة)، والعادات أكثر ممَّا تحكمهم عقولهم.. ونسألُ اللهَ السلامةَ والعافيةَ.

- يمكن إسقاط مثل هذه الحالة، وتفسيراتها على كثير من السلوكيَّات -لا مجال لحصرها- دأبَ النَّاسُ على أدائها، حتَّى تشكَّل في أذهانهم أنَّها من مظاهر التديُّن، والقرب من الله، وقد تكون العكس إذا خلت من الاستحضار، وفسدت النيَّة، فالعلاقةُ مع الله (بابٌ كبيرٌ)، يصعبُ حصر طرقه في مظهرٍ أوحد من مظاهر التديُّن.