بعد وفاة المؤرِّخ الدكتور عبدالله العسكر، نظَّمت المجلة العربيَّة، مع مركز الملك فهد الثقافي، ندوةَ تكريمٍ له، تحت رعاية وزير الثقافة والإعلام د. عادل الطريفي، شارك فيها مجموعة من النُّخب الثقافيَّة والأكاديميَّة والعلميَّة والإعلاميَّة، وقد تمَّ خلالها عرض فيلم وثائقي يوضِّح مراحل مسيرته الثريَّة في الدراسات التاريخيَّة والترجمة، وكذلك تمَّ توزيع كتابٍ تذكاريٍّ، ومجموعة من كتبه.

كلُّ هذا الجهد جميلٌ، ويشهدُ بوفاء المجلَّة العربيَّة، ووزارة الإعلام لذكرى الراحل عبدالله العسكر، ولكنْ قاتلَ اللهُ التوقيت! حفلُ التكريم لا يفيد العسكر بشيءٍ الآن، وكم كان سيعود على نفسه بالابتهاج والحبور، كم كان سيشعره بأنَّ جهوده منظورة، ومحل التقدير، وكم كان سيرفع من معنويَّاته، ويملأ روحه بالامتنان!

والسؤال الحارق المتكرر هو: إنْ كانت المجلَّة العربيَّة متأكِّدة من قدرات العسكر، ومن استحقاقه للتكريم، فلماذا لم تقمْ بهذه الخطوة وهو حيٌّ يُرزق؟ لماذا لم تضع ذلك الرجل تحت الضوء وهو بيننا؟.

اللوم هنا لا يقعُ على عاتق المجلَّة العربيَّة وحدها، فتكريمُ الموتى ديدننا، الذي نادرًا ما نحيد عنه. عندما نسمع ونقرأ عن تلك الشخصيَّات التي انتقلت إلى رحمة الله، من خلال الخطب التي تسرد مسيرة عطاءاتهم، ومن خلال كلمات التأبين الضافية التي تضعنا أمام رجال عظام، ذوي مواهب ضخمة، وجهود جبَّارة، لا بدَّ أن نسأل: لماذا تمَّ السكوت عنهم وهم هنا؟ ما الذي نخشاه من تسليط الضوء على قدوات هم محل اعتزازنا؟ لماذا لا نشجِّعهم على عطاء أكبر بمديحنا وهم قادرون على سماعه؟ لماذا نبخل عليهم بالفرح والعرفان بالجميل؟.

ما الذي نخشاه إن كرَّمنا الأحياء المستحقين؟ هل نخشى أن نفتح باب (اشمعنى؟)، فيتدافع مَن يستحق، ومَن لا يستحق مطالبًا بتكريمه؟ هذا الباب لا يُحكم إغلاقه سوى المعايير والصرامة في تطبيقها. هل نخشى أن تنتفخ الصدور، وتترنَّح الرؤوس نشوةً بعد التكريم، لذلك نُبقي المستحقِّين في حيِّز التواضع، إلى أن ينتقلوا إلى عالم الصمت، فلا يتسرَّب إلى آذانهم كلمة مديح يتكبَّرون بعدها؟ هذه حجَّة خاطئة تدحضها بعض التكريمات للأحياء، وحصولهم على جوائز وشهادات تقدير لم تُحوِّلهم إلى ذوات متضخِّمة.

حين أعفي الأمير الراحل سعود الفيصل من منصبه كوزير للخارجيَّة قبل وفاته بوقتٍ قليل -بناءً على طلبه-، سمع، وقرأ لأوَّل مرَّة كلماتِ الحبِّ والتقدير المُختزَنة في قلوب النَّاس على مدى طويل من سنوات عمله الجبَّار في الوزارة: لم يكن هناك حفلُ تكريم، لكن مقالات الكتَّاب في الصحف، وتغريدات الناس المنهمرة على تويتر، وصلت إليه، وكان سعيدًا بها، فقد عرف مكانته في القلوب، قبل أن يرحل، وكان ذلك مهمًّا جدًّا.

كم كان الفنان حسن دردير سعيدًا ليلة تكريمه المتواضعة، التي أقامتها جمعيَّة الثقافة والفنون في حضوره، ولم تضاهِ فرحة الفنان عبدالعزيز الهزاع عند حصوله على جائزة المفتاحة إلاَّ فرحته بمصافحة ملك الحزم. لكنَّ كثيرًا من الرجال والنساء الذين يعملون في صمت جلَّ سنوات عمرهم لا يسمعون كلمة شكر، ولا همسًا، ومثال ذلك الإعلامي الشهير ماجد الشبل الذي رحل دون أن يحظى بأيِّ نوع من التكريم.

كم شخصًا من حولك تعرف أنَّه آن أوان تكريمه؟ انظر جيِّدًا وتأمَّل اجتهاداته وحبّه لعمله وتفانيه في سبيل الإجادة والاتقان، ثمَّ اخرج إلى النور باسمه، واطلب له التقدير، إن كان كبيرًا في السن، أو كان في ربيع العمر، فالمهم هو الموهبة والجديَّة والتفاني والاستحقاق. قل لنفسك هذا إنسان أريد حقًّا أن يَعرف أنَّه محل التقدير، وأنه سوف يُـكرَّم بعد أن يموت، فلماذا لا نُحسن التوقيت، ونقول له وهو يسمعنا: «أحسنت، ونحن نفخر بك.. الآن.. هنا.. قبل فوات الأوان»؟.