في ظل العنف الذي هو عليه عالمنا العربي والإسلامي، كنا بحاجة إلى (بيكاسو) عربي يرسم لنا لوحة (غرنيكا) أخرى اسمها «حلب»، يستوحي فيها قصف حلب، مثلما استوحى بيكاسو لوحته «غرنيكا» المدينة الإسبانية في إقليم «الباسك» التي دمرت بعد قصفها من الطائرات الحربية الألمانية والإيطالية المساندة لقوات القوميين الأسبان عام 1937، بغرض الترويع خلال الحرب الأهلية الأسبانية، فالفظائع التي تم ارتكابها في حلب من قبل روسيا بمباركة من النظام تكاد تكون أبشع مما تم ارتكابه في (غرنيكا)، وحتى في (غروزني) من قبل القوات الروسية، بل وأبشع مما ارتكبته الطائرات البريطانية والأمريكية عام 1945 على مدينة «درسدن» الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية والتي طالت المدنيين الأبرياء دون مبرر.

ماذا استفاد (الحلبيون) من تلك العناوين التي ظهرت على صدر صفحات الصحف العالمية بعد قتلهم وتدمير بيوتهم وتشريدهم، كتلك: (مدن عربية وعالمية تندد بالصمت الدولي، مدن العالم تبكي حلب، أحداث حلب وصمة عار في ضمير الإنسانية)؟!! وماذا استفاد الحلبيون من جلسة الجامعة العربية التي تمخَّضت عن عنوان واحد يقول: (إن ممارسات النظام في حلب جرائم حرب)؟!!، وماذا استفاد الحلبيون من جلسات الأمم المتحدة العديدة حول حلب، ومن توصياتها التي يجهضها الفيتو الروسي؟!! ألم تدرك الأمم المتحدة بأن المجرم هو عضو من الأعضاء الدائمين فيها، وأنه المتسبب في إلغاء كل القرارات التي يتم التوصل لها والخاصة بحلب وغيرها، وطبق عليها ما طبقه في العاصمة الشيشانية يوم أن دمرتها طائراته، ووصفتها الأمم - يومها - بأنها المدينة الأكثر دماراً على وجه الأرض.

ما كانت هذه المأساة لتحدث، لو أن دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية تدخَّلوا مبكراً لتغيير مسارها عن طريق فرض حظر للطيران، أو إيجاد ملاذ للمدنيين يُجنِّبهم مخاطر قصف الطائرات الروسية والبراميل السورية، وما كان هذا ليحدث لو أن تلك الدول قابلت الفيتو الروسي بتهديد يتضمن تسليح جبهة المعارضة بسلاحٍ نوعي يضمن لهم إسقاط الطائرات، لقد بالغ الرئيس الأمريكي «أوباما» في أحلامه حينما ظن بأن تدخل روسيا في أوحال المشكلة السورية سيقودها إلى هزيمة كالتي حصلت لها في أفغانستان، وظن بأن التدخل في سوريا ما هو سوى شرك للولايات المتحدة، وأن عليه أن لا ينخدع ويبتعد عن الدخول في حروب لا تنتهي، وجاء اليوم وهو على أعتاب الخروج من بوابة البيت الأبيض ليعلن عن أسفه لشعوره بالمسؤولية تجاه ما يحدث في حلب، وفي المقابل تأتي دول أوروبا هي الأخرى لتعتذر وتعلن - على لسان المتحدثة باسمها - عن عجزها في مواجهة الأزمة السورية.

والحقيقة أن الرئيس الأمريكي يتحمَّل كل تلك المتاعب التي يعاني منها الشعب السوري الشقيق، بالنظر لتردداته حول اتخاذ أي إجراء في وقتٍ مبكر قبل أن تدخل روسيا وتقفل الأبواب في وجه الجميع، الأمر الذي أتاح لكل من روسيا وإيران إلى بسط نفوذهما وارتكاب تلك المجازر.