· إنشاء الوزارات والهيئات التنفيذية ليس بروتوكولاً سياسياً مستنسخاً ، بقدر ماهو قرار تفرضه حاجات المجتمع الأساسية، وخصوصياته وطموحاته الاقتصادية والثقافية والسياسية .الجزائر مثلاً هي الدولة الوحيدة في العالم التي ابتدعت وزارة للتضامن الاجتماعي بعد أحداثها الدامية ، ومصر كذلك هي الدولة الوحيدة التي بها وزارة للتموين ، ولا أعلم أن ثمة دولة أخرى غير بلادنا بها وزارة مستقلة للحج. من يحكم هذا الأمر هي الحاجة . ولاشك أن الوعي حاجة ملحة لكل المجتمعات الناشئة والجديدة ، وقد ساهمت الطفرات الاقتصادية الكبيرة التي حدثت في بلادنا وماصاحبها من نمو سريع وانتقال للمجتمع السعودي وعموم المجتمعات الخليجية من مرحلة الى مرحلة مختلفة تماماً في وجود بعض الفراغ التوعوي ، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح في بعض التعاملات والممارسات المجتمعية الخاطئة التي ترصدها وسائل الإعلام بين فترة وأخرى .

· الوعي - في أبسط تعاريفه - يعني التعامل الصحيح للفرد مع محيطه .. إن اتفقنا على هذا ، فسأسألكم : كيف ننظر لما يحدث في بعض جامعاتنا التي من المفترض أنها مصانع للوعي من ( هوشات ) وتجاوزات وصلت حتى للجنس اللطيف! ،إن قال البعض بأنها حالات فردية فسأسأله أيضاً : وكيف يمكن تفسير مايحدث في اليوم الوطني من تخريب وتجاوزات ؟! ولماذا يلقي بعض الشباب أنفسهم في براثن خلايا تجسسية، والبعض الآخر في أحضان التشدد والإرهاب ؟! لماذا يثور بعضنا ويلعن ( سنسفيل ) البعض الآخر لمجرد رأي مختلف ؟! .. ثم هل شاهدتم أولئك المثقفين الذين ينادون بالحرية والتعدد ، ثم تضيق صدورهم لمجرد وجود من يختلف عنهم ؟! ..وهل لاحظتم أيضاً أن اختلافاً عقدياً أو فكرياً بسيطاً كفيل بالنبذ والإقصاء والتهميش؟! ..ألا يدل كل هذا على حاجتنا إلى المزيد من جرعات التوعية ، والى العودة لإغلاق كل الثغرات ( (gapsالتي خلفتها قفزاتنا الاقتصادية والتنموية الكبيرة على سلوكياتنا بدءاً من كيفية التعامل مع الوطن بجميع مكوناته وعقائده .. وصولاً الى تعاملنا مع حقوق نسائه .. مروراً بتعاملنا السليم والمنضبط مع البطالة ،الخدم والعمال ،الكهرباء ، الماء ، الغلاء ، الصحة ، الطلاق ، الإجازات ، الطوابير، التفحيط ، الطرق والحوادث بل حتى الكورة والملاعب.

·إن قال أحد إن هذا دور المدارس والجامعات فسأقول إن مدارسنا (التي هي نتاج وعينا الهش) تفتقد للأسف للتعليم القائم على الوعي .. بمعنى إنها لا تعلم أبناءنا حقوقاً ولا واجبات ..لا تعلمهم كيف يتحاورون ، ولا كيف يختلفون ،ولا حتى كيف ينجحون في الحياة !! ..باختصار هي لا تعلمهم شيئاً ذا بال .. والنتيجة - كما نرى - عاطلون يتحدثون عن الانفتاح على أمم العالم.. بينما هم عاجزون عن( فتح ) صدورهم لشركائهم وجيرانهم في الوطن! .

· أما إن قال آخر إنه دور الإعلام وهذا متوقع.. فسأقول : إن الاعلام هو الآخر يشكو من قلة وعي أنهكت جسده ، وخصوصاً بعد أن انتقل خطام بعض وسائله من أيدي المثقفين الحقيقيين إلى قبضة التجار و(الهوامير ).. ولأن الإعلام المنهك لا يصنع إلا وعياً مزيفاً ، فإن مشكلتنا الإعلامية الأكبر لم تعد في عدم وجود القدوة الجيدة فحسب ، بل باتت في ظهور ( قدوات) كاذبة خاطئة ، حولت المجتمعات إلى أتباع تلفزيونيين ، يرددون ما يقوله (الرعاة ) الرسميون دون إدراك أو وعي .!

· الوعي ياسادة ليس بالضرورة أن يرتبط بالتعليم ، فكم من متعلم يفتقر لأبسط درجات الوعي والعكس صحيح .. الوعي في الأساس قضيةُ أمنٍ فكري، فالعقول غير الواعية مثل مقابض الأبواب .. يستطيع أي أحد أن يديرها بسهولة .