كنتُ ألتقي به في مقرِّ جمعيَّة «إبصار» الخيريَّة.. فأقرأُ في وجهه اضطرابًا كلَّما حاول أنْ يتعرَّف على فئة العملة الورقيَّة.. أشعرُ بارتباكه، رغم تعابير الهدوء في وجهه.. لا أعلمُ لماذا حرَّضني خوفه، وحرصه على الرغبة في استكشاف تعامل الكفيف مع العملة الورقيَّة والمعدنيَّة، كيف يميِّزها؟ وكيف يتعامل معها؟!

أمامي إنسانٌ فَقَدَ بصرَهُ، ثمَّ تأقلمَ مع متطلَّبات الحياة، تحمَّل تدريب نفسه؛ كي يتعايشَ مع فقدان بصره.. لكنَّني تساءلتُ بيني وبين نفسي حينها: أليسَ غريبًا أنْ يُشعركَ إنسانٌ بتعبه، وأنت أمامه؟! أين تهيم روحك أيُّها الكفيفُ؟ كنتُ أسألُ نفسى بصمتٍ أكبر من شفقةٍ كلَّما التقيتُ به..

واليومَ تحملُ لنا الأخبارُ عملةً سعوديَّةً جديدةً مكوَّنةً من اثنتي عشرة فئةً، منها سبعٌ معدنيَّة، وخمسُ فئاتٍ ورقيَّة، التقيتُ به، ثمَّ سألته عن العملة المعدنيَّة التي ستبدِّد قلقه، فهي تحمل لغة برايل...! وهي كما نعلم (علامات بارزة تساعد المكفوفين على التعرُّف على فئات الإصدار).

سألتُه فردَّ بكلمةٍ واحدةٍ: «الله يفرجها».. كنتُ أشعرُ وهو يقولها أنَّ قلبَه تزداد سرعاته حزنًا.. كان يفرك العملةَ القديمةَ، وكأنَّه يمسحُ صمغًا عنها.. ثمَّ يطبعُ قبلةً نديَّةً على صورة مؤسِّس وموحِّد المملكة العربيَّة السعوديَّة -رحمه الله- بكل طاقة الحنان الكامنة في روحه، والتي تربَّت على الرضا دائمًا.. ثمَّ علَّق قائلاً: وماذا بعد؟ هل المطارات والقطارات الجديدة بها مسارات للكفيفين؟ ففرحتُ بالسؤال، وقلت له: رئاسة شؤون الحرمين أصدرت خريطة «برايل» لخدمات الإعاقة البصريَّة، التفتَ إليَّ بصوتٍ ضعيفٍ يحاولُ أن يلملمَ أفكاره، آمالنا كبيرة في مسارات تخدم فاقدَ البصر في بلادنا، أشعر بالعجز والخذلان كلَّما سافرتُ وأنا أتخبَّطُ في المشي، لا مسارات ترشدني، ولا خدمات في مطاراتنا، وأخصُّ مطار الملك عبدالعزيز بجدَّة، الذي يخدم مليارًا ونصف مليار مسلم في العالم.. قالها كورقةٍ لا نفع فيها. حلَّ بيننا صمتٌ طويلٌ كان يتحدَّث كجرحٍ مفتوحٍ، أو نصف مفتوح..

غادرتُ المكانَ وأنا أسألُ نفسي: لماذا خدماتُ المعاقين شحيحةً في بلادي؟ لماذا وهي خارطة الإنسانيَّة من أول التاريخ حتَّى آخر الجغرافيا؟!