فِي زمنِ مصادرةِ الغضبِ، ومحاصرةِ الفرحِ طفتْ علَى السطحِ -سطحِ الأمَّةِ- الذِي يراهُ العالمُ من قريبٍ، ومن بعيدٍ مظاهرَ أعجب مِن العجبِ! مجموعاتٌ تصادرُ الفرحَ بصدورِ بيانِ إدانةِ قرارِ مجلسِ الأمنِ للاستيطانِ الإسرائيليِّ، باعتبارِ أنَّهُ مِن العيبِ إزعاجُ الرئيسِ «ترامب» قبلَ أنْ يستلمَ!

لقدْ أبتْ 2016، بلْ قُلْ أبتْ فلسطينُ ألاَّ يمرُّ العامُ دونَ تسجيلِ انتصارٍ تاريخيٍّ، جاءَ هذِهِ المرَّة مِن «أهلِنَا» فِي فنزويلا، والسنغال، وماليزيا، ونيوزيلاندا. ومِن الواضحِ علَى هذَا النحوِ أنَّ شمسَ فلسطينَ لاَ تغيبُ، وصوتَهَا لا يحجبُهُ صوتُ الرَّصاصِ، أوْ أيُّ احتمالٍ للغروبِ.. أبدًا لاَ تغيبُ، ولنْ تغيبَ!

أخشَى هُنَا معَ انزعاجِ «نتنياهو»، واندفاعِ «ترامب»، والتعجيلِ، أو الإيحاءِ بالتَّسريعِ فِي نقلِ السفارةِ الصهيونيَّةِ للقدسِ المحتلةِ، أنْ يشنَّ السادةُ مدمنُو الانبطاحِ حملةً شعواءَ علَى الدولِ الأربعِ؛ باعتبارِهَا هِي المتآمرة علَى القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ!! وأعتذرُ لهَا، ولشعوبِهَا مقدَّمًا، في ظلِّ انقلابِ الأوضاعِ أحيانًا، وإلباسِ الحقِّ ثوبَ الباطلِ أحايِينَ كثيرةً!

أخشَى -والحالُ كذلكَ- أنْ تنطلقَ حملاتٌ أُخْرَى لتأديبِ وتهذيبِ الشعوبِ إنْ هِي غضبِتْ علَى نقلِ السفارةِ إلَى القدسِ، أو فكَّرتْ فِي الغضبِ مِن أيِّ قرارٍ خاصٍّ بفلسطينَ يوقِّعُه الرئيسُ ترامب، باعتبارِ الأخير هُو الأدرَى بمصالحِ، بلْ بمصائرِ العربِ!

أخشَى أنْ يطلبَ مِن العربِ -فيمَا بعد- إرسال تهنئةٍ وتأييدٍ لكلِّ خطوةِ تراجعٍ؛ باعتبارِهِ مِن أصولِ الأدبِ، ولكلِّ انحناءٍ حتَّى ولوْ كانَ بلاَ ضغطٍ، ولاَ سبَبٍ!

قريبًا من ذلكَ، أو بعيدًا عنْهُ، ظهرتْ مجموعاتٌ أُخْرَى تصادرُ فرحَ النَّاسِ فِي «حلب»، وفي غيرِ حلب، من المدنِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ التِي لا تعد، بمقتلِ المغنِينَ الروسِ الذِينَ كانُوا فِي طريقِهم للاحتفالِ بالجنودِ (البواسلِ) الذِينَ أتمُّوا مهمَّةَ ذبحِ حلب!

يحدثُ ذلكَ، فيمَا كانَ بعضُ المغنِّينَ والممثِّلِينَ والمغنِّيَّات، والممثِّلات العربيَّات، يتبادلنَ عباراتِ التهنئةِ والفرحِ ببشارِ الجزارِ، الذِي تمكَّنَ -بمساعدةِ الروسِ- مِن ذبحِ المدينةِ!

دعكَ مِن مغنيِّاتِ وراقصاتِ بشار اللائِي انخرطنَ في وصلاتٍ من الغناءِ والرقصِ فِي الاستديوهَاتِ، والقنواتِ، والشوارع، والحاراتِ؛ احتفاءً بذبحِ الأطفالِ، والنساءِ، والشبابِ، والشيوخِ في حلب، وانظر معِي إلَى هاتيكَ النسوةِ اللائِي تجردنَ مِن مشاعرِ الأمومةِ -ولا أقولُ العروبة- وهُنَّ يتَّصلنَ مِن عواصمَ عربيَّةٍ لتهنئةِ (الرئيسِ الزعيمِ بشار) رغمَ أنَّهنَّ لمْ يلتقِينَ بهِ وَلَو لمرَّةٍ واحدةٍ!

أخشَى كذلكَ -والحالُ المائلُ كذلكَ- أنْ يتمَّ القبضُ علَى شخصٍ ابتسمَ لخبرِ مقتلِ القتلةِ الروسِ، أو السوريينَ، وأنْ يتمَّ حجزُ أيِّ شخصٍ يشكرُ اللهَ، أو يتحدَّثُ عنْ قدرتِهِ جلَّ شأنُهُ!

أخشَى أنْ يصبحَ الغضبُ لمَا يغضبُ لهُ الرئيسُ الأمريكيُّ فرضًا، والغضبُ لمَا يغضبُ لهُ الرئيسُ الروسيُّ واجبًا، أو العكس!

أخشَى أنْ يتمَّ تدريسُ موادَّ خاصَّةٍ بأهميَّةِ أنْ يفرحَ الشعبُ بذبحهِ، وأنْ يبتهجَ لتنازلهِ عنْ أرضِهِ، وأنْ يرحِّبَ ببيعِ شرفِهِ وعرضِهِ!!