هذا التعبير، «على الحلوة والمُرَّة»، يدل على الثبات على موقف الإعجاب والتشجيع لمعرض جدَّة للكتاب، ولا بدَّ هنا من شكر عميق لكلِّ مَن ساهم واجتهد في سبيل إخراج وإنجاح المعرض هذا العام، بدءًا من محافظ جدَّة، ووزير الثقافة والإعلام، إلى رجال ونساء الأمن، الذين يضمنون لنا تسوُّقًا آمنًا ومستقرًّا، وهم في قمة النشاط والذوق والتحمُّل، وحتَّى شباب الفرق التطوّعيَّة بأرواحهم المعطاءة.

ونحن نسير في تجوالنا بين الكتب، ينصبُّ تركيزنا على ما نقرأ، وعلى ما نقرِّر شراءَه، لكنَّنا لا نلحظُ النحل الذي يهدر داخل الخليَّة: إدارة هذه المساحة الهائلة بهذه الدقة، أمر يحتاج إلى اليقظة والتأهُّب، وتضافر جهود أعداد كبيرة من البشر، تجاوزوا الألف، كلٍّ في موقعه. والجهود التي بُذلت لم تبدأ يوم افتتاح المعرض، بل سبقته بأشهر، فالاستعدادات الضخمة تنطلق تباعًا في اجتماعات، واتصالات، واتِّفاقات، وترتيبات مُضنية.

معرض الكتاب لا يحتفي بالكتب فقط، لكنَّه يتحوَّل إلى أهم حدث فكريٍّ ثقافيٍّ في المنطقة، يجمع أهل صناعة تلك الكتب من مؤلِّفين، وناشرين، وقُرَّاء يتنقلون بين الندوات، وأمسيات الشعر، وعروض الفنون التشكيليَّة، والمشاهد المسرحيَّة، وبين أجنحة التوعية والخدمات، وأنشطة جناح الطفل، ومنصَّات التوقيع التي لاقت إقبالاً كبيرًا، وكان تنظيمها موفقًا ولافتًا. وربما تشكَّى البعض من تأخُّر توزيع الدعوات، أو من أخطاء في تراخيص الكتب، أو من خلط في تصنيف أجنحة الكتب، ولكن هذه المنغِّصات يختفي أثرها أمام الصورة الأشدّ نصاعةً للنجاح.

كانت تلك الحلوة، والمُرَّة التي لا بدَّ من ذكرها، تخرج عن إطار الجهات المنظِّمة إلى مَن هم خارجها، وهي ما جذب انتباهي من سلبيات خلال زيارتي للمعرض، وقد كان أوَّلها أنَّني مكثتُ في السيَّارة ما يقارب الساعة في محاولة الوصول إلى المدخل؛ لأنَّ الزحام المروريّ كان فوق التصوُّر. ولو أنَّ كلَّ السيَّارات كانت لمرتادي المعرض لهان الأمر، ولكن الكثير منها كان للمتنزهين على الكورنيش المجاور للمعرض. رأيتُ المتنزِّهين يجلسون جماعاتٍ وفرادى على أرصفة الطريق، وعلى الكورنيش خلف وحول الخيمة، يتمتَّعون بمنظر السيَّارات التي لا تجد مواقف قريبة قد احتلَّتها سيَّاراتهم بلا مبرر.

في الداخل لاحظتُ تزاحم بعض المرتادين أمام دور نشر معيَّنة، ربما تخصَّصت في نشر مؤلَّفات الشباب فرصَّتها على الطاولات الأماميَّة في متناول العين واليد، وهناك تجد الطوابير التي تحوِّط الطاولات دون أن تتحرَّك، بعضهم يتحدَّث مع مَن حوله، وبعضهم يتصفَّح الكتب، ويصوِّر أغلفتها بالجوَّال، وبعضهم يقرأها، طوابير تتكدَّس ولا تتحرَّك، وهذا سلوك سيئ، يشبه من يقف على بوفيه مفتوح، ويأكل في مكانه. تبلُّد الإحساس بالآخر يظهر أيضًا في التوقُّف المفاجئ في وسط الممر لمجرَّد التحيَّة والتحادث، أو في ترك شنطة بها كتب، أو عربة بها أطفال، في مدخل دار النشر ليتعذَّر دخول الغير.

ومن المزعج كذلك، كثرة التغيير في أسماء المتحدِّثين على منصَّات الفعاليَّات الثقافيَّة، وانتهاء آخر جلسة أدبيَّة بظهور كاتب واحد، بدلاً من أربعة، وعند سؤال اللجنة الثقافيَّة وجدتُ أنَّ الأشخاص المُتَّفق معهم يعتذرون عن الحضور في آخر لحظة؛ لأسباب واهية مثل: عدم دعوتهم لحفل الافتتاح، ثمَّ اضطرار اللجنة إلى دعوة غيرهم في وقت حرج، وهذا سلوك مخجل، وعدم التزام منع اللجنة من طباعة البرنامج لكثرة تغييره.

وسأنهي بمرارة ظاهرة تشجيع الطباعة للطباعة، والنشر للنشر، التي كدَّست المعرض بأوراق مهدرة، ملأتها الخواطر، والتجارب الشخصيَّة، والعناوين المتصنَّعة الغثيثة، فهناك كتبٌ بها سطرٌ على صفحة، وكتبٌ تُجمِّع اقتباسات من مشاهير العالم، وكتبٌ تعلِّمك كيف لا تكتب كتابًا، ثمَّ تربح ببيعه، وكتبٌ تصرخ فيك أن توقظ المؤلِّف في داخلك، فتتعملق وإن كنت قزمًا.