تجوَّلتُ في شوارع جدَّة العتيقة، في المنطقة التاريخيَّة، وعدتُ بذاكرتي لتلك الأيام الخوالي في طفولتي، وأنا أزورك يا مدينة الحبِّ والسلام والحضارة والتاريخ مع أمِّي -رحمها الله- ووالدي -حفظه الله- فاستشعرتُ عبق المكان، وروعة ذلك الزمان، واستحضرتُه بكلِّ تفاصيله في هذه السويعات الجميلة، وقلتُ لنفسي ليتَ تلك الأيام تعود، ولو ثواني؛ لأحظى بصحبة مَن تشتاق لها روحي في كلِّ جمعة مباركة، بل في كلِّ لحظة من لحظات حياتي اليوم، ما أجملك جدَّة! وما أجمل نسمات الهواء العليل على شواطئك الجميلة على البحر الأحمر!

أتأمَّلُ في الوجوه حولي، فأراها مقبلةً على الحياة، تحمل في نظرات عيونها بريقًا مختلفًا، وتنوُّعًا ثقافيًّا واجتماعيًّا لكلِّ أجناس أهل الأرض، كتعبيرٍ حيٍّ عن التعايش المجتمعيِّ والتسامح، وهذه أصوات النغم الجميل تغمر المكان هدوءًا، تجعل الروح تطربُ في أقسى لحظات الزمان.

نعم يا جدَّة أنتِ مهوى الأفئدة، كيف لا تكونين كذلك وأنتِ بوابةُ العبورِ إلى الحرمين الشريفين، وأهلك مَن سطَّروا في سجِّلات الحضارة الوطنيَّة أجمل ما يُسطَّر من عشق للأرض، وستظلِّين رمزًا حضاريًّا وثقافيًّا.

شاهدتُ شبابك وهم يرتدون زيَّ الاتحاد «عميد الأندية السعوديَّة- وقد أكمل تسعين عامًا، حافلة بالإنجازات الكرويَّة، ولطالما طربنا جميعًا للأهازيج الاتِّحاديَّة التي تجعل مَن يشجِّع هذا الفريق، وكذلك مَن لا يشجِّعه يطربُ لسماعها.

هذه هي جدَّة «إتي وبحر» كما هي كذلك «أهلي وبحر»، جدَّة هي الرمز بتاريخها وحاضرها، جدَّة تألَّقتْ وازدانتْ وتربَّعتْ على القلوب باهتمامٍ خاصٍّ نالته من سمو الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكَّة المكرَّمة، الذي لا يرضى إلاَّ بالتميُّز، فقبل أيام كانت جدَّة محطَّ الأنظار، وهي تحتضنُ معرضَ الكتاب الدولي، فكانت منارةً للفكر والثقافة والأدب والعلم، وقبل أيام أيضًا كانت جدَّة محطَّ الاهتمام الكرويِّ، باستضافة فريق أتليتكو مدريد؛ ليشارك الاتحاد احتفاليَّته التسعينيَّة.

جدَّة حقًّا غير، وستبقى غير، بأميرها، وأحبَّتها من كلِّ شعوب الأرض، أنتِ يا جدَّة العشقُ الخالدُ في سماء الوطن الأعزِّ، والأغلى، والأقدس، دمتِ عروسًا لكلِّ المدن، يا أجمل المدن، يا مدينةَ الحبِّ والجمالِ الفريدِ.