كما كل سنة، واحدة تمضي، وكأنَّها لم تكن، عندما نلتفت صوبها لا نرى إلاَّ رمادها، وغبار ركضها، وروائح طائراتها التي لا يتوقّف دورانها حول الأرض، وبعض أفراحها التي تجعل من الحياة أمرًا ممكنًا.

وسنة أخرى تأتي محمَّلة بالأحلام، والغيم، والألوان التي نشتهي تشكيلها في كلِّ ثانية لنحسَّ أنَّ الدنيا ببعض الخير، وعدد لا يحصى من الأوهام التي نريدها لكي لا نموت اختناقًا. نحاول أن نؤكد لأنفسنا أنَّ الزمن القاسي أصبح وراءنا.

سنة تمضي، وأخرى تأتي بكل هديرها، وخوفها، ولمعات خفيفة من إشراق نادر، ولا أحد يدري كيف ستكون صورة الآتي. مرَّة أخرى تتبدَّى صورة العالم العربي في حالة غير مريحة، بل وسيئة إلى حد كبير. لا شيء يوحي بأنَّ حالة التفكُّك والانهيارات المتتالية ستتوقَّف، على الرغم من لمعات عابرة نمنِّي النفس المتعبة أن لا تكون برقًا هاربًا، يضيء الظلمة الجاثمة لثانية، ثمَّ يمضي بلا رجعة. حتَّى الثورات، كائنًا ما كانت أسبابها، وحساباتها، كان الرهان عليها كبيرًا، وربما رومانسيًّا، كما كلّ الثورات العالميَّة، توقَّفت عند حدود إسقاط أنظمة بائدة ومتهالكة، وعوَّضتها في أغلب الأحيان، ببدائل لا أفق لها سوى إعادة إنتاج نظام تسيير يضاهي أحيانًا اشتراطات القرون الوسطى، متخلِّف عن العصر بقرون من ناحية التفكير والمكاسب الإنسانيَّة العقلانيَّة، وليس التقنيَّة غير المشروطة بحالة تطوّر ما. التقنية يمكن أن تتعايش مع التخلُّف. هل غيَّر فينا شيئًا، الحاسوبُ، والتليفونات الذكيَّة، وسيل المعارف الافتراضيَّة؟ أنظمة جديدة افترضت أن الحياة تسير وفق الهوى السياسي المهيمن، وفق الشهوات البشريَّة. فجاءت في شكل ارتدادات طبيعيَّة لهزَّات عنيفة كبيرة، قبل أن يعود سادة القصور القديمة، والحكم التوريثي، إلى مواقعهم التي طردتهم الثورات منها. تستمر الحياة بكلِّ قسوتها على برك الدم، وجثث الآلاف، بلا جدوى، وبلا أمل في مجتمع آخر يتنفس هواءً غير مؤكسد. كم من عربي مات في هذه الثورات، وما تلاها؟ لا أحد يعرف، ولا أحد معني. لقد خرجوا من النوافذ هاربين نحو الموت، أو نحو العواصم الآمنة، والمنافي القلقة، وعادوا للدخول من الأبواب المشرعة هذه المرَّة. تحوَّلت الثورات فجأةً على مدار السنوات التي مضت، إلى أدوات لجرح جغرافيا الإنسان عبر قرون متتالية، لتحويله إلى قنبلة موقوتة، تنفجر في نفسها قبل غيرها، محدثة المزيد من الدمار والخراب الذاتيين. وتفكيك جغرافيا عربيَّة استقرَّت زمنًا طويلاً تجاوز القرن في حالة بلاد الشام، والعراق التي ترتسم على حوافها جغرافيا جديدة مقطَّعة بالمسطرة العمياء، والخطوط الزرق والحمر، بدأت تفرض نفسها هذه المرَّة بالوسيط الديني المتطرِّف والطائفي والإثني. أربع دول عربية كانت تملك أفقًا تغييريًّا، انتهت مساراتها إلى شللٍ كليٍّ. وتحوَّلت فيها أفراح الاستقلال وأحلامه، إلى كوابيس قاتلة. العراق أصبح أكثر من عراق، في ظل الخرائط الدوليَّة الجديدة. داعش تتربص بما تبقى من وطن سرقته الحسابات الدوليَّة. اضمحلَّ عراق الثقافة والحضارة، في ظل خواء عالم عربي ينام قرير العين، مستمتعًا بالحروب التي فيه. توقَّفت الحرب بسوريا، ورفعت أعلام توقيف نار لم تتوقف. وخراب عمم حتَّى صرنا نسأل: كيف يمكن ترميمه؟ ليس خراب الحيطان، فهذا قاسٍ، لكنه أهون، بالقياس لخراب الداخل الذي لا ترممه إلاَّ سياسات عادلة، وقبول الآخر مهما كانت الخلافات والاختلافات. الأشد خطورة هو أننا ندرك اليوم أن العالم العربي ينام على خزان من البارود الديني، الطائفي، الإثني، يضاهي مئات القنابل النوويَّة التي يمكن أن تنفجر في أيَّة ثانية. لا أفق إيجابي يحمي سوريا من الخراب الممنهج، إلاَّ الاستماع لكل الأصوات، معارضة، عقلانيَّة، ونظامًا والبحث في المشترك الذي يحمي الشعب السوري من خراب يتربص به من كل الجهات.. مصر، الدولة العربيَّة العظمى عسكريًّا وثقافيَّا، وقدراتٍ خلاَّقة، عاشت تحوُّلات متسارعة وخطيرة، انتهت بسقوط نظام فاسد، جرَّ الويلات على مصر، ومجيء حركة إسلامويّة فازت انتخابيًّا، لكنَّ مشكلتها أنَّها كانت بلا مشروع يُذكر، سوى سلسلة من الشعارات الدينيَّة المثاليَّة التي لا تُغيِّر شيئًا في الوضع العام، مع خلط واضح بين الدولة والحزب، وها هي الآن أمام أزمة اقتصادية طاحنة.. ظلَّ كلُّ شيءٍ عربيّ، مربوطًا بشعرة معاوية، التي تمططت كثيرًا، ولم تتمزَّق حتى الآن.. فهناك هزَّات عنيفة ترتسم في الأفق، لا أحد يمكن أن يتوقَّع مخاطرها.

سنة تمضي.. وأخرى تأتي، ولا شيء سوى أمل نريده، ولا نلمسه.