تغطية الأحداث كانت مهمَّة ميدانيَّة، يشغلها العاملون في وسائل الإعلام، أيّ أنَّها كانت مهنةً مُقنَّنةً تحكمُها بروتوكولاتٌ ومسؤوليَّاتٌ. أن تكون مراسلاً لوسيلة إعلاميَّة، يعني أنَّكَ تتابعُ الأخبار التي تهمُّ النَّاسَ، تلك الأخبار التي تؤثِّر في حياتهم السياسيَّة والاجتماعيَّة، وتنقلُها لهم؛ لأنَّ مِن حقِّهم أنْ يعرفوا ما يدور حولهم، وما يمسُّ -بشكلٍ مباشرٍ، أو غيرِ مباشرٍِ- جوهرَ معيشتهم. حين يغطي الإعلامُ الحدثَ فهو في حقيقة الأمر يكشفه للمتابعين، ويتيحه لاطِّلاعهم، ولإعلامهم به.

حين أشيرُ للمهمَّة الصحفيَّة الإعلاميَّة بصيغة الماضي (كانت)، فذلك لا يعني أنَّها انتهت، ولكنَّ الذي تغيَّر هو أنَّ تلك التغطيات لم تعدْ مهمَّة وسائل الإعلام فقطْ. ففي زمن التقدُّم التكنولوجيِّ الهائل، الذي وضع بين أيدينا أجهزةَ الموبايل ذات الكاميرات المتطوِّرة، ثمَّ ربَطها بشبكةِ الإنترنت، ووسائل التَّواصلِ الاجتماعيِّ، تحوَّل أفرادُ المجتمع إلى مراسلين، ينافسُونَ -في كثيرٍ من الأحيان- فئاتِ المهنيين. هناك مواقع إخباريَّة تشجِّع النَّاسَ على تصوير ما يصادفهم من أحداثٍ، وإرسال مقاطعهم المصوَّرة إليهم؛ ليتمّ إذاعة الخبر اعتمادًا على ما التقطوه. يتجوَّل النَّاسُ في كلِّ مكان، وأيديهم على جوَّالاتهم؛ تحسُّبًا لما قد يحدث في أيِّ لحظة، فيكونون على أتمِّ الاستعداد لقطفِ ثمار اللحظة السانحة، ويغطُّونَ الحدثَ؛ ليفوزوا بالسبق العظيم على وسائل التَّواصل.

انتشرت ظاهرة «مراسلون بلا حدود» انتشارَ العدوى الوبائيَّة، وانخرط الجميعُ في التصوير لكلِّ شيء ثابت أو متحرَّك، من أطباق الأكل، إلى تجمُّعات مياه المجاري. كلّ هذه البلايين من الصور تجدُ طريقها إلى البلايين من الناس، وأولئك بدورهم يبادلُونَ البلايين ببلايينهم. أصبح التصويرُ والإرسالُ بمثابة تسجيل حضور يومي، إشعار للآخرين بأنَّي ما زلت أتنفس، وأصبح شعارُ الحياة الحديث هو: أنا أصوِّر وأرسل، إذًا أنا موجود.

في عالم التَّراسل الإلكترونيِّ اللحظيِّ ينشغلُ المراسلون بالمادَّة التي سوف يقدِّمونها كلَّ يوم على صفحاتهم للجمهور العريض من المتابعين، الذين يتقلَّبون على جمر الانتظار لتلقي تغطياتهم المتفرِّدة، وهم على استعداد عجيب للكشف عن أدقِّ تفاصيل حياتهم، وعن أثاث منازلهم، وعن أفراد عوائلهم، وعن أصدقائهم ومعارفهم، وعن أعمالهم وسفريَّاتهم، ولقاءاتهم، ونظراتهم للحياة، كلّ شيءٍ قابل للتصوير وللتغطية وللكشف ما دام يضمن رضا المتابعين، وتنامي أعدادهم، وما دام يضمن الأسبقيَّة في بثِّ المادة مهما كانت جارحةً أو مؤذيةً.

إلى هنا والأمرُ «عاديٌّ»، وما دمنا نعملُ زي النَّاس، فلا بأس. لكن حين تشمل جملة (كلّ شيءٍ قابل للتصوير وللتغطية وللكشف) مساحات الآخرين، فذلك مكمن الاعتراض والمطالبة بالتوقُّف. حين نوجد في مكان ما، فنحن ننسى أنَّ الجوَّالات المحمولة في كلِّ الأيدي من حولنا هي عدسات قد تلتقط -دون علمنا، ودون إذنٍ منَّا- كلَّ شاردة وواردة. يشكِّل التصوير المفتوح إزعاجًا شديدًا -إنْ لمْ يكنْ خطرًا- لكثيرٍ من النَّاس، خصوصًا في مجتمعنا، الذين قد يضر بهم أن يكونوا مادةً للفضول العام.

نحن في الحقيقة لا نعرفُ مَن يقوم بتصويرنا؟ وأين؟ كل جوَّال قادر على توجيه عدسته إلينا في غفلة منَّا، وكأنَّنا وقعنا في شبكة جواسيس. هذه اللعبة ما عادت مسليَّةً، بل إن تتبُّع اتِّجاهات الجوَّالات من حولنا أصبح من منغِّصات الحضور الاجتماعيِّ، خاصَّةً في الاجتماعات النسائيَّة التي نحضرها بلا عباءات، وكلنا إحساسٌ بالأمان، لقاءات مغلقة نضحكُ فيها، ونمرح فيما بيننا، وحفلات نرتدي فيها ما يروق لنا من الموديلات.

هذا التعدِّي على حرِّيات الآخرين هو الخط الأحمر الذي يجبُ التوقُّف عنده. لا دينَ، ولا عرفَ، ولا تقليدَ، ولا ذوقَ، ولا أدبَ يُعطي أيًّا من المراسلين المنفلتين الحقَّ في زيادة أعداد متابعيه، ولا الحقَّ في تسلية أعضاء الجروبات، على حساب كشف ستر الناس، وتغطية خصوصياتهم.