ودَّعنا وزير الخارجية الأمريكي السيد «كيري»، بتصريح يطيب الخاطر قبل أن يغادر منصبه، قال فيه: «إن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، يُؤيِّد علنًا قيام الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية، ولكن ائتلاف حكومته يتَّسم بالتطرف، وأن لديه أجندة عكس ذلك، مشيرًا إلى تصاعد كبير لوتيرة الاستيطان منذ 2009، وأن الحكومة الإسرائيلية الحالية الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، وأن بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية غير قانوني، ويُعرِّض السلام في الشرق الأوسط للخطر».. وللحقيقة -وإن كان هذا التصريح قد جاء متأخرًا وأثار حفيظة نتنياهو والمدافعين عن إسرائيل- إن كانت هناك حسنة وحيدة قدَّمتها الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة «أوباما» طوال الثمانية أعوام الأخيرة، فهي في امتناعها عن التصويت، وعدم استخدام حق الفيتو ضد قرار مجلس الأمن الأخير، الذي صدر ليُؤكِّد على عدم شرعية إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، ويُعد إنشاء المستوطنات انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وعقبة كبرى أمام حل الدولتين وإحلال السلام العادل، إلا أن الرد الإسرائيلي الذي جاء كعادته متحديًا، رافضًا للقرار، معلنًا عن عدم الالتزام به، وأنه سيشرع في بناء مستوطنات جديدة، واثق من أن عدم تنفيذ هذا القرار لن يفرض على دولة إسرائيل بالقوة، وسيلحق بالقرار رقم 242.

القرار 242 الذي صدر في 22 نوفمبر 1967 نص من ضمن بنوده على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967، ولأن إسرائيل لم تُنفِّذه، ولم يقم مجلس الأمن الدولي بالتدخل لإجبارها على الانسحاب، فإن ذلك يعطي الإسرائيليين مؤشرًا على أن هذه القرارات غير حاسمة، ولا تُشكِّل أي خطر عليها، الأمر الذي دعاها هذه المرة إلى أن ترفض إيقاف بناء المستوطنات رافعة راية التحدي، لكنه على أية حال قرار يصب في مصلحة القضية الفلسطينية ويدعم موقفها.

لقد عوّدنا الرؤساء الأمريكيون خلال العقود الثلاثة الماضية على إطلاق وعود كاذبة لحل الصراع العربي الإسرائيلي، وعادة ما تأتي هذه الوعود متأخرة جدًا، وقبل أشهر قليلة من مغادرة الرؤساء للبيت الأبيض، حدث ذلك مع الرؤساء بوش، وكلنتون، وبوش الابن، وأخيرًا أوباما الذي حرص -بعد أن أشعل المنطقة- على أن لا يغادر البيت الأبيض قبل أن يطيّب خاطرنا، ولو بالتصريح أو التأييد الذي جاء على شكل استحياء للقرار الجديد القاضي بإيقاف بناء المستوطنات حينما لم تصوت بلاده ضد القرار، ستحسب له، وتحسب عليه، ولا ننسى موقف السيد كيري الشجاع على تلك التصريحات التي أنَّبته عليه بريطانيا، التي رغم أنها صوّتت لصالح القرار، إلا أنها رأت أن المشكلة لا تختص ببناء المستوطنات فقط، في محاولة لاسترضاء نتنياهو.

لكن دعونا نتساءل، هذا القرار الذي حظي بالإجماع تجاه وقف بناء المستوطنات، والذي صفقنا له كثيرًا، ماذا سيُقدِّم لنا والحكومة الإسرائيلية ترفضه، بل وأصرت على الاستمرار في عملية البناء، وما يرافق ذلك من تغييرات سكانية وجغرافية في الأرض المحتلة؟! نحن لا نتطلع إلى وقف بناء المستوطنات فقط، بل نريد قرارًا حاسمًا لبحث قضايا أساسية قبل الانسحاب من الأراضي المحتلة، وتفعيل القرارات الدولية الصادرة التي تطالب إسرائيل بالانسحاب إلى ما قبل حدود عام 1967، أي قوة تلك التي تجبر إسرائيل على الانصياع لتلك القرارات؟!.