في الصباح، كان الزعيم الممسك بالسكين يُهدِّد ويتوعَّد، ويشترط على القرى والمدن المرتهنة هناك على نهر بردى.. المصالحة أو الموت!

إنه الزعيم الذي ترك مصير بلاده في يد الفرس والكهنة، ممسكًا أو مُتلذِّذا بمسكة السكين..

إنه الزعيم الذي مازال يجد مَن يُصفِّق ويهتف له من الأفَّاقين الجهلة، وتجار الموت السفلة، باعتباره صلاح الدين..

في المساء كانت فيروز تغني: مر بي يا واعدا وعدا.. مثلما النسمة من بردى من بردى..

تحمل العمر تبدده.. آه ما أطيبه بددا.

رب أرض من شذى وندى وجراحات بقلبي عدى.

سكتت يوما فهل سكتت؟ أجمل التاريخ كان غدا.

والحق أنني لم أتبيَّن ما إذا كانت فيروز تُغنِّي لبردى أم كان النهر الحزين يُغنِّي لحلب؟!.

كانت صورة النهر تسطع أو تلمع في ذاكرتي، وفوقه سحائب من لهب أو غضب.. وكأنها أو وكأنه تحوَّل إلى نهر من حميم.. كان شاطئاه وكأنهما تفجَّرا وامتد فوقهما جحيم.

على ضفة النهر، كان الجزَّار مازال يُهدِّد فريسته المتعبة الواهنة.. أمامك يوم واحد للمصالحة! وكان النهر يقول: أي مصالحة أيها الوغد، وأنت لم تترك لها يومًا لحظة آمنة؟.. أي مصالحة بعد أن تجردتَ من كل نخوة، ورحتَ تغمد سكّينك في الجثة الساكنة؟!.

هل أتاك حديث الفتاة قمر التي راحت تسأل وهي تسعل: إن للنحل سكنى في الخلايا، وللعنكبوت بيوتًا، وللطير عشًا يُكوِّنه في أعالي الشجر.. فأين يقيم البشر؟ أين ينام البشر؟!.

كان الزعيم يهذي وهو يمسك بالسكين متحدثًا عن المصالحة!

قالت قمر: قُل ما تشاء، لم يبق في القرى والمدن التي دمَّرتها سوى السماء! الأرض حوَّلتها بركًا من دماء.. لم يبقَ فيها سوى بضع غربان، وبوم تنعب وسط أكوام الدمار.. إنها تُحملق في صورك المُعلَّقة باحتقار على الجدار.. جدار الخيانة الذي ظننته انتصار.. يا ميّت الضمير.. يا مَن تحوَّلت الآن إلى محض أجير.. تناشد مَن، وقد تركت مَن بقوا من أيتام شعبك يُقاسون الصقيع والهجير.

كانت حلب تهدر بنارها نحو المصب وهي تصرخ مُردِّدة: تبت يد الباغي وتب.. تبت يد الخائن وتب.

مرة أخرى يصيح بردى أن توقفي حلب عن البكاء.. توقفي.. فما صمدتُ وما صبرتُ كل هذه السنين.. لكي أموت حسرة عليك وأنت تبكين.

كانت حلب ترد: ستظل نهرًا للحنين.. ستُفجِّر فينا ينابيع اليقين.. بردى يا أجمل وعد.. يا نهر السنا والشذى والورد.. بردى يا أعذب أنهار الغد.

كانت فيروز تُغنِّي: (واعدي لا كنت من غضب.. أعرف الحب سنى وهدى.. الهوى لحظ شآمية رق حتى خلته نفذا.. هكذا السيف ألا انغمدت ضربة والسيف ما انغمدا.

واعدي الشمس لنا كرة.. إن يد تتعب فناد يدا..

أنا حبي دمعة هجرت.. إن تعد لي أشعلت بردى..).

وكنت أختم المقال وأنا أشرب دمعي!