ونحن نعيش هذه المرحلة الزمنيَّة، التي اختلطت فيها مظاهر الحق بمظاهر الباطل، وتنامت فيها ممارسات التكفير والقتل والتفجير، تحت مظلة مُسمَّى (الجهاد)، الذي اتَّسع مفهومه، وتشعَّب؛ حتَّى ارتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم (القتال)، فكان ذريعة سهلة، ومشاعة التنفيذ لبعض ممارسي القتل والتفجير، التي أزهقت تحت هذه المظلة آلاف الأرواح البريئة، بالرغم من بينونة لفظي (الجهاد والقتال)، اللذين وردا بنصهما في القرآن الكريم، لكنَّ البعض -وللأسف الشديد- ألبسهما لباسًا واحدًا، وهذا ما يخالف دقَّة الإعجاز في معنى كل لفظ منهما ورد في كتاب الله سبحانه، حيث إنَّ لفظ الجهاد نصًّا ورد في كتاب الله ست مرات هي: في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ)، وقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير)، وقوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ)، وقوله تعالى: (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِد لِنَفْسِهِ)، وقوله تعالى: (لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا، دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).

ويتَّضح من سياق تلك الآيات الكريمات أن الجهاد يختلف في مطالبه عن مطالب القتال، حيث تكرر في لفظ الجهاد الارتباط بالمال والنفس، فقد أكَّد علماء التفسير أنَّ الجهاد له مراتب وأوجه يمكن تلخيصها في جهاد النفس، وكبحها عن الوقوع في المعاصي، وجهادها في تحمُّل الأعباء الحياتيَّة، كجهاد العمل والدعوة إلى الله، وجهاد النزغات الشيطانيَّة، وجهاد كبح الشهوات المؤدِّية للمعاصي، وجهاد دفع الأعداء والصبر على أذاهم.

أمَّا ورودها بلفظ القتال نصًّا، فكان عشرين مرَّة، كما وردت بألفاظ مرادفة للقتال عشرين مرَّة، وهذا يعني بما لا يدعُ مجالاً للشكِّ أنَّ هنالك اختلافًا بين القتال والجهاد، وحتَّى لو عدنا إلى الجانب اللغويِّ بينهما لوجدنا حجم الاختلاف، حيث إنَّ الجهاد لغة: مصدر الفعل الرباعي جاهد، أي بذل أقصى الطاقات، أمَّا اصطلاحًا: فهو بذل أقصى الطاقات في مواجهة ومغالبة الأحداث، إمَّا باللسان، أو بالمال، أو بالقلب.

أمَّا القتال لغة فهو: مصدر الفعل الرباعي قاتل، ومصدره مقاتل، أمَّا اصطلاحًا: فالمقصود به مواجهة الأعداء في ساحة المعركة، واستنادًا إلى الآيات الكريمات، فإنَّه مواجهة الكفار في ساحة المعركة.

ولعلَّ ما نستنتجه من كل ما ورد، أنَّ الجهاد يختلف في أدواته عن القتال، إلاَّ إذا اعتبرنا أنَّ المكابدة في القتال يُعدُّ جهادًا، لكن لا يعني ذلك أن نُطلق الجهاد على القتال، ونتَّخذ ذلك سبيلاً لقتل مَن نُريد وفق أحكامنا الشخصيَّة، ووفق بعض الفتاوى المخالفة للشرع، وخاصَّة عند إطلاق الأحكام التكفيريَّة على البعض دون أدلة شرعيَّة بيِّنة، مخالفةً لكتاب الله الكريم، والصحيح من سنَّة نبيِّه صلَّى الله عليه وسلم. والله من وراء القصد.