* ليس جديدًا أن نقول: إن الأمية الحقيقية لم تعد في الجهل بالقراءة والكتابة، بل في عدم الإلمام بعوالم التقنية والاتصالات.. وأن الخطر الثقافي والمعرفي الأكبر بات في عدم القدرة على التعامل مع شرايينها المتدفقة، ومع مردة مصابيح إعلامها الجديد، الذين يستطيعون تزويدك بالأخبار (صحيحها ومكذوبها وما بين البينين) قبل أن تقوم من مقامك، بل وقبل أن يرتد إليك طرفك أحيانًا!. لذا لم تعد المشكلة اليوم في توافر الخبر أو المعلومة بقدر ما أصبحت في كيفية التعامل معها من حيث التحقق والموثوقية والقراءة الفاحصة.

* ولأن «صناعة الفوضى» هي إحدى أكبر صناعات الجماعات الإرهابية على الإنترنت، فإن الفضاء الإلكتروني هو أحد أهم مكونات الأمن الوطني لأي دولة.. وقد قلتُ غير مرة: إن إجادة وسائل التواصل كان أحد أهم أسلحة تنظيم (داعش) الذي كان يتمدد على الأراضي السورية والليبية والعراقية بنفس السرعة التي يتمدد بها على شبكات «فيسبوك» و»تويتر» و»تلغرام»، من أجل تجنيد أتباع جُدد، ونشر تفسيره ورؤيته الراديكالية المتشددة للإسلام!.

* ثورة الاتصالات غيّرت كل الملامح الكونية تقريبًا، حتى الحروب والصراعات العسكرية تغيرت تمامًا، العالم اليوم يواجه أنواعًا جديدة من الحروب الإلكترونية التي تتطلب المزيد من التحصين والبحث عن وسائل دفاع جديدة، هذا ما أكده رئيس مركز مكافحة الجريمة في وزارة الداخلية الذي طالب قبل أيام باستحداث جيش إلكتروني سعودي، يقوم بمواجهة التهديدات المتزايدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والعالم «السيبراني».

* عندما كانت الرماية والسباحة وركوب الخيل هي أدوات القوة في زمن عمر بن الخطاب، طلب -رضي الله عنه- من الناس أن يُعلّموها لأبنائهم، وعندما تكون وسائل البحث والتواصل الاجتماعي هي وسيلة القوة المعرفية كما هي اليوم، فإنه يتوجَّب على الجهات ذات العلاقة -وأولها وزارة الثقافة ووزارة التعليم- أن تضع يدها عليها، لا أعني التضييق على الحريات وتكبيل المعرفة، بل توجيه بوصلتها نحو التنوير الحقيقي، والتعامل الصحيح معها، حتى تستطيع الأجيال الجديدة التي تدخل لهذه العوالم المثيرة بلا ضوابط، ودون تهيئة، ترتيب الصورة، ووضع الأشياء في أماكنها الصحيحة، واستخلاص (العود) طيب الرائحة من بين ركام وخشاش حاطبي الليل.