انتابني

المسرحي محمد بودية كما السهم الذي يخترق ذاكرة مثقلة بالأحداث والوقائع القاسية لدرجة نسيان جزء منا، في هذه الأيام التي تجري فيها وقائع مهرجان المسرح العربي بوهران، التي تشرف عليها هيئة المسرح العربي . مسرحيوضع قضايا شعبه وأمته في المقدمة . ليستقصة محمد بودية في النهاية إلا اختزالا لتاريخ نسي حتى أصبح بياضا مبهما . أخطرما يصيب التاريخ من ضرر هو الانتقائية والذاتية، وتحوله إلى مزاج فردي أو سياسي . ذاكرتناالجمعية صناعة عمياء أوقفها الورثة عند زمن محدود، افترضوه مرجعا تاريخيا نهائيا حتى ولو أدى بهم ذلك إلى نسيان الكثير من العناصر الجوهرية المشكِّلة لتاريخ البلاد . المحصلةتفقير للتاريخ وتدمير لكل تفكير حي لدى الأنتليجنسيا الوطنية . لاأحد من الذين جايلوا محمد بودية يجهل قيمته الثقافية وحضوره إبان حرب التحرير أو بعد الاستقلال . فقدعيّن مديراً للمسرح الوطني في سنة 1963 ،قبل أن يُكلِّفه انقلاب العقيد هواري بومدين ضد ابن بلا في 1965 ،السجن والمنفى وفقدان الثقة، ويكلفه انتماؤه للثورة الفلسطينية حياته، إذ اغتيل في باريس من طرف الموساد . ولدمحمد بودية يوم 24 فبراير1932 فيباب الجديد في الجزائر العاصمة . حبهللفن والمسرح جعله يلتحق في سنة 1954 بالمركزالجهوي للفنون الدرامية . هاجرفي عز الثورة، إلى فرنسا وانضم إلى فيدرالية جبهة التحرير . ألقيعليه القبض وهو يحاول تفجير أنابيب النفط في مرسيليا يوم 25 أوت( أغسطس) 1958،فحكم عليه بالسجن لمدة عشرين عاماً قبل أن يهرب في 1961 ويلتحقبرفاقه في تونس . هناكأنشأ فرقة المسرح التابعة لجبهة التحرير الوطني . بعدالاستقلال كان من الذين بادروا بإنشاء المسرح الوطني وأعطوه حضورا حقيقيا في الحياة الثقافية . كانمن أنصار مسرح وطني ملتزم يلعب دورا تكوينيا وحيويا مثلما هو الحال في الدول الاشتراكية، وقد صبغ هذا التوجه المسرح الوطني في عمومه ولم يتخلص من لمسة بودية السياسية إلا في السنوات الأخيرة . خلالإدارته للمسرح الوطني ظل مناصرا لكل حركات التحرر الوطني . في28 ديسمبر1964 بعثبرسالة احتجاج من أجل إطلاق سراح الشاعر كارلوس لغريزو المدان من طرف محكمة عسكرية خلال دكتاتورية فرانكو . كماأنه كان صاحب المبادرة الرمزية التي قرر بموجبها تخصيص مداخيل الموسم الصيفي للمسرح عام 1964 مدعماً لكفاح الشعب الفلسطيني . لكنعلاقة محمد بودية المباشرة والجدية بالقضية الفلسطينية بدأت في كوبا، خلال لقائه بوديع حداد، المسؤول العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين . بعدهذا اللقاء وضع بودية خبرته النضالية في خدمة النضال الفلسطيني .عادمحمد بودية إلى باريس في مطلع السبعينيات بصفته قائدا للعمليات الخاصة للجبهة الشعبية في أوروبا، متخذا اسما حركيا جديدا : أبوضياء . أولعمل قام به هو التنسيق مع الجماعات اليسارية الأوروبية مثل الألوية الحمراء الإيطالية، مجموعة بادر ماينهوف الألمانية، الجيش الأحمر الياباني، ثوار الباسك، الجيش الثوري الأرمني . فقدكان المدبر الرئيسي لجميع عمليات الجبهة الشعبية في أوروبا في مطلع السبعينيات . ومنعملياته أيضا : التخطيطلتفجير مخازن إسرائيلية ومصفاة بترول في روتردام بهولندا . لكنأهم عملياته الناجحة كانت هي تفجير خط أنبوب بترولي بين إيطاليا والنمسا في 5 أوت( أغسطس) 1972م،مخلفا خسائر قدرها 2,5 ملياردولار . تعاونمع منظمة أيلول الأسود التابعة لفتح، ومن نتائج ذلك، مشاركته في عملية ميونيخ أثناء الأولمبياد عام 1972. كاندوره هو استضافة أفراد الكومندوس الفلسطيني قبل العملية، ثم تهريبهم وإخفاؤهم بعدها . فيأعقاب هذه العملية التي انتهت بحمام دم، أمرت غولدامائير الموساد بتنظيم عمليات اغتيال قيادات فلسطينية في جميع أنحاء العالم، كعملية شارع فردان في بيروت عام 1973 مواغتيال فلسطينيين في باريس مثل محمود الهمشري، وائل زعيتر . كانمحمد بودية يعلم جيداً أنه هو أيضاً كان مستهدفا، وعلى الرغم من حرصه، فقد وصلته يد القتلة بزرع لغم تحت مقعد سيارته، الرونو 16 الزرقاءاللون التي كان يملكها، في صباح 28 حزيران( يونيو) 1973 أمامالمركز الجامعي لشارع فوسي برنار في باريس . ماذابقي اليوم من هذا الرجل الذي حاول تجسيد فكرة المثقف العضوي الذي يخرج من مسرحه ليندمج في القضايا العامة سواء كانت وطنية أو إنسانية؟ ماذا بقي من خيار العنف لمجابهة الظلم؟ .