هذا النزاع الدائر بين نادي جدة الأدبي وبين جمعية جدة للثقافة هو مجرد حلقة في سلسلة البؤس الذي تعاني منه جمعيات الثقافة في أنحاء المملكة، فالاحتياج المالي الشديد الذي يلازمها منذ نشوئها يزج بها في مقرات صغيرة ومنزوية، ويُـضعف عطاءها ويكبل طموحاتها.

في بداية يناير الحالي تقدم مدير جمعية جازان للثقافة والفنون، عبدالرحمن موكلي، باستقالته من إدارة فرع الجمعية متشكيًا من انعدام الدعم المالي للبرامج والأفكار التي سعى إلى تنفيذها، فجمعية جازان «تمر بأزمة مالية حادة خاصة أنها تعاني من عدم توافر المبنى الملائم» لتنفيذ فعالياتها مما يضطره إلى الاستعانة بمبنى (النادي الأدبي)» هناك. المستقيلون من جمعيات الثقافة كُـثر، وإن هم انسحبوا بصمت وامتنعوا عن إبداء الأسباب، إلا أن قلة ذات اليد هي التي تدفع بهم للخروج.

جمعية جدة، كجمعية جازان وباقي الجمعيات، تستحق الشفقة والإحسان، لذلك ومن باب العطف والإنسانية فقد سمح لها النادي الأدبي الذي له اليد العليا بالمقارنة، أن تستخدم مبناه القديم لمدة خمسة أعوام. كان النادي كريمًا في استضافته للجمعية ولم يخطر ببال أحد من أعضاء إدارته حينها أنه يُورّط النادي في تحمل مسؤولية الجمعية، وأن فكرة «الاستضافة» مستهجنة ومرفوضة، فإدارة الجمعية وأعضاؤها ومرتادوها مؤمنون بأن ما للنادي هو للجمعية بالضرورة، وأن لا فضل لهم ولا أحقية، وقد ظهر هذا الرفض «لتفضُّل» النادي بعد انتهاء مدة الخمس سنوات المتفق عليها.

في قلب كل هذه الزوبعة حبة صغيرة جدًا تحولت إلى قبة: حين طلبت الجمعية استخدام المبنى في المرة الأولى، كتب رئيسها خطاب طلب للنادي، وردّ النادي بما يُشبه العقد المشروط، وقع عليه رئيس الجمعية. ثم إن النادي حين انتهى العقد طلب من مدير الجمعية كتابة خطاب مماثل يشير إلى انتهاء المدة المتفق عليها ويطلب تمديد الفترة. لكن الجمعية هذه المرة تقاعست عن تقديم الخطاب، ومن هنا بدأت المشكلة في التفاقم، ووضع النادي شرطه: إما الخطاب وإما الإخلاء!

وبدلًا من التحاور الذي يمليه احتياج الجمعية لمأوى، فضَّلت إدارتها أن تشد الحبل لإجبار النادي على قبول بقاء الجمعية في عقر دارها، وأخذ التحدي مسارًا مغايرًا حين حاولت الجمعية إثبات حقها في استخدام المبنى بنفي حق النادي فيه وفي الأرض التي أقيم عليها، وبالتقليل من شأن النادي ومدى تأثيره في المجتمع، وبالانتقاص من عدد فعالياته وعدد مرتاديه مقارنة بها، وما دامت الجمعية بلا مقر، فليسقط النادي ومبانيه التي لا يستحقها أصلًا، ولنغرق جميعًا.

جمعيات الثقافة والفنون في حالة يرثى لها، ولا أحد يستطيع أن يفهم لماذا هذه التفرقة في التعامل بينها وبين الأندية الأدبية، ولماذا يحصل النادي على مليون سنويًا بينما تحصل الجمعية على ربع مليون إن وصل. هذا الانحياز في الاحترام والعطاء المالي من إعانات ومكرمات لا بد وأن يولّد في قلوب أعضاء الجمعيات حنقًا وغضبًا قد يصلا إلى الحقد والغل. من الطبيعي أن يشعر أعضاء جمعية جدة بالغبن وهم يرون نادي جدة متفردًا بمبنيين على ساحة رائعة في منطقة مرموقة، بينما يُتركون هم على قارعة الطريق يستجدون ملجأَ.

وللحق، فإن نادي جدة لم يحصل على مبناه كمنحة سهلة، بل إن أعضاءه من الأدباء قد جاهدوا وسعوا حثيثًا لتحريك تجار جدة لمساعدتهم، فهو لهم دون غيرهم، ولا يجوز لأحد أن يسلبهم إياه عنوة أو يدعي حق مشاركتهم فيه. وإن رغب مسؤولو الجمعية في البقاء في المبنى لفترة قادمة، فليتنازلوا عن عنادهم واستكبارهم، وليكتبوا خطابًا وليُوقعوه ويُقدّموه إلى مجلس إدارة النادي صاحب المبنى طالبين التمديد إلى حين ميسرة.