كان المشهد غريباً، مكتظاً بالمشاعر المتناقضة. كان أقرب إلى مشهد

من فيلم هوليودي، وكنا أمامه مثل مشاهدي فيلم (الحرارة Heat)، حين ظهر منتصف تسعينيات القرن المنصرم، وذُهلنا من حجم الإثارة والتحدي فيه.. لعل أكثر ما أدهشنا في ذلك الفيلم هو المشهد المثير الذي يختار فيه روبرت دينيرو ورفاقه اللصوص -بعد عملية سرقة البنك- مواجهة الشرطة بالرصاص وسط المدينة، وعلى مرأى من الجماهير! الفرق أنا كنَّا واعين بأن المشهد مجرد تمثيلغير واقعي.. وهو ما اختلف الآن، ونحن نتابع ما يحدث عبر شاشة جوال، وفتاتان تصرخان وتبتهلان أثناء توثيقهما لمشهد إثارة حقيقي، انتهى بانتصار البطل هذه المرة!! سطر البطل جبران صفحة من البطولة، درج عليها أبناؤنا في كل مكان، ولأهله -ولنا كلنا- الحق بأن نفخر بجبران وبقية الأبطال الذين يجعلون من صدورهم دروعاً لحماية وطنهم، وحمايتنا.

من حقنا أيضاً أن نتألم،ونحن نستمع لتلك الأصوات الباكية المخنوقة هلعاً وأسفاً، وقد قرع الخوف أزقة قلوبهن، واختلط بدموعهن.. من حقنا أن نتألم، ونحن نشاهد ابنين من أبنائنا رخصت لديهما الحياة وكل قيم الإنسانية السامية.. من حقنا أن نتألم، حين نفكر في أهليهما الذين فجعوا بهما وقد وصلا إلى ما وصلا إليه.. من حقنا أن نتساءل مع مجتمعنا الغارق في حيرة لا حل لها .

لا مناص من تكرار السؤال، وتقليبه، والبحث عن إجابات حقيقية،غير تلك الإجابات المقولبة التي لا يبدو أنها تأخذنا إلى نتيجة. نحتاج فعلاً أن نحفر عميقاً لنعرف أين يكمن الخلل، نحتاج إلى أن نذهب إلى أبعد من عبارات (مغرر بهم، مضلل بهم...الخ) التي أضحت -على ما يبدو- قوالب إعلامية، لا يدرك المجتمع مضامينها.

دعونا لا ننسى أن هؤلاء (المغرربهم!!)، هم أبناء هذا الوطن، تربَّى معظمهم على قيمه، ودرس في مدارسه، واختلط بأهله، ونشأ على عادات مجتمعه. فكيف يختار الفرد الانقلاب على مجتمعه بين عشية وضحاها! وكيف يطيب للأخ أن يقتل أخاه بدمٍ بارد! وكيف يتنكَّر ابن الوطن للتراب الذي شكَّل ملامحه بهذه السهولة، وبهذه الوحشية! تبدو الأسئلة أصعب من أي إجابة الآن، وتبدو الحسرة أكبر من أن تبتلعها حنجرة ولا شك.. ورغم ذلك ليس لدينا إلا أن نستمر في طرح الأسئلة، لعلنا نجد تشخيصاً صادقاً، لعلنا نجد الإجابات... هناك في العمق، فالسطح لم يعد قادراً على حملها كما يبدو.

***

بعد عشر سنوات من الغياب، أعود للكتابة هنا في (المدينة)، مدرستي الأولى التي تعلَّمتُ فيها أبجديات الكتابة الصحفية، وقضيتُ فيها عمراً من الكفاح الثقافي الجميل. لذلك أجدني -وأنا أكتب هنا كل خميس- مكتظًّا بالأحبّة والذكريات العابقة من الزمن الجميل.. وأُغنِّي مع غازي القصيبي رحمه الله:

ما كان يوماً ولا يومين موعدنا

بل كان عمراً.. وعشناهُ إلى الأبدِ!!