تبدأ أمريكا عهدًا جديدًا يوم الجمعة المقبل، بدخول الرئيس المنتخب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض واضطلاعه (رسميًّا) بمهام رئاسة الولايات المتحدة، مدشِّنًا حقبة جديدة محفوفة بالغموض والأسئلة، فيما تبدو الولايات المتحدة منقسمة إزاء الرئيس الجديد، حول قضايا باتت تُثار علنًا -لأوَّل مرَّة- عن علاقة ترامب مع روسيا، وعمَّا إذا كان لدى الروس أوراق ابتزاز شخصيَّة بحق ترامب.

حملة النخبة الأمريكيَّة ضد ترامب حتَّى قبل اضطلاعه رسميًّا بمهامِّه، قد تُؤثِّر شعبيًّا على حجم التأييد الذي يلقاه الرئيس الأمريكي، حتَّى من قبل أن يبدأ المئة يوم الأولى من رئاسته، لكن شخصيَّة ترامب، والتركيبة الفريدة لفريق مساعديه، ربما لا ترجِّح إمكانيَّة تراجع الرجل كليًّا عن أيٍّ من تعهُّداته الانتخابيَّة، فما قاله ترامب أثناء حملته، هو ما مكَّنه من الفوز بتصويت الناخبين الأمريكيين لصالحه، لكن مواءمات الضرورة، قد تحمله على مراجعة درجات الالتزام بتعهُّداته.

أكثر ما يشغل شعوب منطقة الشرق الأوسط، هو ما قد يطرأ على السياسة الأمريكيَّة من تغييرات مع بداية عهد ترامب.

قضيَّتان محوريَّتان تشغلان شعوب المنطقة، الأولى تتعلَّق بإسرائيل، والثانية تتعلَّق بإيران، فيما يخصُّ إسرائيل فقد تعهَّد ترامب بدعم غير مسبوق عسكريًّا وسياسيًّا، شمل التزامه بنقل السفارة الأمريكيَّة إلى القدس، وهو إجراء تفاداه الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون منذ أربعة عقود.

أمَّا فيما يخصُّ إيران التي حقَّقت خلال سنوات بوش الابن، وباراك أوباما ما لم تكن تحلم بتحقيقه، فقد تعهَّد ترامب بلجم أطماعها، وبمراجعة الاتِّفاق النووي الذي اعتبرته إدارة أوباما أحد أكبر منجزاتها.

قد تكون سياسات ترامب تجاه إيران، هي أفضل ما يمكن أن يتوقَّعه العرب من واشنطن في هذه المرحلة، لكن تأكيد تلك السياسات وامتحانها على الأرض، يظل رهنًا بقدرة العرب على عرض رؤيتهم، معزَّزة بآليَّات وفرص تحقيقها أو بسطها على الأرض.

يبدأ ترامب رئاسته، في ٢٠١٧ نفس العام الذي تعهَّدت إيران على لسان قاسم سليماني قائد ما يُسمَّى بفيلق القدس، بجعله «عام ثورة دمويَّة في البحرين».

سيُحاول الإيرانيون اختبار مصداقيَّة تعهَّدات ترامب، وسيُجرِّبون أنماطًا من التصعيد في الإقليم، بهدف سبر أغوار الرجل.

نجاح ترامب في امتحان المصداقيَّة فيما يتعلَّق بسياساته تجاه طهران، ينبغي أن يكون هدفًا عربيًّا، ما يقتضي مقاربة عربيَّة تتيح بناء رؤية عربيَّة مشتركة للأمن الإقليمي، سيكون من شأنها تحفيز الرئيس الأمريكي الجديد على الالتزام بوعوده الانتخابيَّة بشأن إيران.

أيّ مقاربة عربيَّة لبناء تصوُّر للأمن الإقليمي، يجب أن تبدأ بتفاهم عربي على تعريف مصادر الخطر (مَن هو العدو؟)، وكذلك مستويات أو درجات التهديد، والتي يتقرَّر بناء عليها أولويات وخطط المواجهة المشتركة للخطر.

إيران هدَّدت بأن يكون ٢٠١٧ هو عام ثورة دمويَّة في البحرين، تعهد قاسم سليماني بأنَّها لن تدع أيَّ مجال لخيار آخر سوى الإطاحة بالأسرة الحاكمة في البحرين، وزاد: «هذا ليس مجرَّد تهديد أجوف»!!

التهديد الإيراني للبحرين بتلك اللغة، وعند هذا المستوى، يضع مواجهة الأطماع الإيرانيَّة في منطقة الخليج (العربي) على رأس أولويَّات أيِّ تصوُّر لبناء نظام جديد للأمن الإقليمي العربي.

لكن تهديدات مماثلة يُواجهها الأردن من قِبَل داعش، التي يجري كنسها من العراق وسوريا باتجاه الأردن، لا تدع خيارًا آخر أمام العرب سوى التصدِّي لتهديدات داعش للأردن أيضًا.

ما يجري من معارك في المشرق العربي، يستهدف في التحليل الأخير، تقويض الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي التي استطاعت أن تنأى بنفسها عن ما يُسمَّى بالربيع العربي، وتوابعه.

أي نظرية للأمن القومي العربي في الوقت الراهن يجب أن تستوعب حقيقة أن ما يجري في المنطقة، إنَّما يستهدف دول التعاون الخليجي بصفة خاصة باعتبارها الجائزة الكبرى للصراعات الدائرة، وأن أي معالجة لقضايا الإقليم ينبغي أن تستوعب أهمية إعادة إيران إلى داخل حدودها، كهدف إستراتيجي عربي.

تحقيق هذا الهدف الإستراتيجي العربي، لن يكون ممكنًا قبل بناء رؤية عربية مشتركة للأمن، تبدأ من الداخل، بنزع عوامل الضعف، وتمتين الوحدة الوطنية لكل دولة عربية، عبر تكريس قِيَم المواطنة والمساواة التامة في الحقوق والواجبات بين كافة مواطنيها بغض النظر عن الانتماء الديني أو العرقي أو الطائفي، أو المذهبي.

إيران سوف تختبر مصداقية ترامب، مطلع العام، بتجربة مخططاتها في البحرين، والعرب سوف يختبرون مصداقية الرجل أيضًا، لكن عليهم أن يساعدوه حتى يبر بوعوده الانتخابية تجاه تهديدات طهران لجيرانها في الإقليم.

الاستعداد بحشد كافة أدوات القوة، وأولها دعم الوحدة الوطنية لكل قطر عربي، هو ما يتعيَّن علينا كعرب أن نبدأ به عام ترامب الأول.