عجيب الطقس في هذه الجوف حيث شمال بلادي، كلما تبسَّم النهار قليلًا ترفع سحابة يدها وتصيح رعدًا، حتى الصباح في مملكة الزيتون لا يجيء إلا ليعلن زفاف مطر قريب على أشجار تتغنّج للفصول كأن المدينة كلها تعوم في أضواء قزحية.. وسط كل هذه الأجواء الباردة دفئًا!.. بدأت أيام التأهيل والتدريب للأسر المنتجة في جمعية الملك عبدالعزيز بالجوف.. حيث توجد النساء قبل الموعد بكل أطيافهن شابات المستقبل برفقة أمهاتن من القرى..

كنت أتصفّح وجوه النساء المبكرات القادمات لنيل المعرفة مستبشرات فرحات بهذه المبادرة لتمكينهن من دخل ثابت، فتيات متعلمات يرغبن خوض تجربة المال والأعمال ولسان حالهن لا وظيفة بعد اليوم..!

أتأمل في الوجوه سارحة في تأملاتها ربما تحصي الكراسي الفارغة، أو تستعرض الأحلام على رفوف المستقبل، في آخر القاعة امرأة في سن أمهاتنا تقدم اعتذارها في التسجيل المبكر وأخرى منهن بالداخل عجوز تحملق في تمثال إغريقي انتصب في وسط نافورة بالمقهى، جلست في مواجهتي وانكفأت على لائحة الطعام لم ينتبه النادل على ما يبدو إلى ما قد طلبته بالتحديد فقد كانت تترنح بين القائمة والتمثال جاءها أخيرًا بفخذ دجاجة مشوية وجاءت تسأل عن كيف تنمي أعمالها الصغيرة ومهنتها التي توارثتها من تراثها الجوفي..!

الشراب وملعقة وشوكة ذكريات كانت موسيقى بصوت (كاني روجر) تصدح (لقد اخترتِ الوقت المناسب لتتركيني لوسيلا الحقل حان حصاده والأطفال صغار) أفقت من عتاب (كاني روجر على لوسيلا) صديقة تمرّ من أمامي كقهوة فرح حرضتني على مرافقتها في مسيرة بالعربة عبر الشوارع العاصفة فتحرضني على مرافقتها لقاعة أخرى لكنني كنت مستسلمة شغوفة بفكرة الذهاب بعيدًا. الحديث مع نساء الجوف، وهنّ حريصات على التعلم لبيع الزيتون والسدو وخوص الجوف.

أخذني الوقت لمدة 3 أيام وهن يسألن ويستفسرن في مجال المال والأعمال الذي طالما حلمت أن نمكِّن الأسر المنتجة منه بحسب إنتاجها ووفقًا لإمكاناتها..

كنت أمازح إحدى أمهاتنا بسؤالي عن مصير عملها الصغير ليكون مسجلًا في وزارة التجارة. جوابها وحروفها مرتعشة: (سأفقد راتب الضمان الحكومي، لا بد أن أهادن الزمان فهو كالماء لا يبتلع إلا النبات العجوز!).

حينها تساءلت: هل سنرى إجراءات السجل في وزارة التجارة تُعَدَّل من أجل الأسر المنتجة، فلا تفقد حينها دعم الدولة لها حينما تغامر بعمل حر يحتاج الكثير من الصبر والمثابرة ليحقق لها الاكتفاء الذاتي.. هي دعوة للقائمين على هذا الشأن للنظر في الأنظمة واللوائح وبما يساهم بدعم هذه الأنشطة دون الخوف من تبعاتها الاجتماعية، فأملى كبير في دعم الأسر المنتجة في بلادي، دون الخوف من تبعات النجاح والفشل على مستوى المعيشة.