لم يكن مستغربًا أبدًا، بل كان مصدر فخر واعتزاز للأمة الإسلاميَّة كلها عمومًا، وللمملكة العربيَّة السعوديَّة خصوصًا، اختيار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- لنَيل جائزة الملك فيصل العالميَّة لخدمة الإسلام في دورتها التاسعة والثلاثين لهذا العام 1438هـ - 2017م. وقد جاء هذا الاختيار في توقيته المناسب، فسعي الملك المفدى لجمع كلمة المسلمين لا يختلف عليه اثنان، وتشهد به كل الأوساط العالميَّة الإسلاميَّة وغير الإسلاميَّة، في ظروف وملابسات صعبة ومعقَّدة للغاية يعيشها العالم كله، وفي وقت يمكن أن يوصف بأنَّه بداية غربة الإسلام التي أخبر عنها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء»، نعم.. أصبح الإسلام غريبًا اليوم في أوساط المسلمين أنفسهم قبل غربته بين أعداء الإسلام وأصحاب المِلل والنِحل الأخرى، ولا يتصدَّى لما يُثار حول الإسلام من شبهات وما يتعرَّض له المسلمون من فتن كقطع الليل المظلم، إلاَّ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وإن نظرنا يمنة ويسرة في هذا العالم، في يوم الناس هذا، لا نرى إلاَّ حصن الإسلام الحصين، المملكة العربيَّة السعوديَّة، وهي تحمل وحدها راية التوحيد خفَّاقة، ولا تحيد عن دربها الذي رسمه لها الملك المؤسس من التمسك بكتاب الله، وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل أنظمتها وقوانينها، لا تحيد المملكة عن دربها هذا، وقد حادت معظم الدول الأخرى عنه جهارًا نهارًا؛ لذلك كان طبيعيًّا جدًّا أن يُختار قائد هذه الأمة لنَيل جائزة خدمة الإسلام. وقد جاء في مبررات هذا الاختيار (الذي لا يحتاج إلى أي تبرير) سعيه يحفظه الله لجمع كلمة العرب والمسلمين لمواجهة الظروف الصعبة التي تمر بها الأمَّتان العربيَّة والإسلاميَّة، ومن ذلك إنشاؤه التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، واستضافة مقره في الرياض، ومواقفه العربيَّة والإسلاميَّة على مدى عقود تجاه قضيَّة فلسطين المتمثِّلة في الدعم السياسي والمالي والمعنوي والإنساني والإغاثي، ولا شكّ في أن النجاح في تشكيل التحالفات العربيَّة والإسلاميَّة في هذا الوقت العصيب، الذي تسود فيه الفرقة، ويتعاظم فيه التشرذم، يُحسب بكثير من التقدير لقيادة المملكة التي سخَّرها الله ومكَّنها من لم شعث العرب والمسلمين، ولولا فضله تعالى هذا لوجدنا الأمَّة وقد آلت فرقًا وطوائف متناحرة، ورغم ما نشهده اليوم من مظاهر الفرقة، إلاَّ أنَّ الله تعالى دفع عن الأمة ويلات أكبر بكثير بما مَنَّ به تعالى على قائد هذه الأمة، وحكومته الشريدة من حكمة ورويَّة، واجتماع كلمة المسلمين حول قيادة حصن الإسلام والعروبة الحصين: المملكة العربيَّة السعوديَّة، وإن كان هذا المعيار وحده كافيًا لاختياره -حفظه الله- لنَيل هذه الجائزة، فإن هناك معايير كثيرة لا تُحصى تُضاف إليه منها: ترؤسه -يحفظه الله- وإشرافه المباشر على كثير من اللجان الشعبيَّة والجمعيَّات الخيريَّة لإغاثة المنكوبين والمحتاجين في عدد لا يُستهان به من الدول العربيَّة والإسلاميَّة، وقد تُوِّجت هذه المساعي الحميدة بإنشاء مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانيَّة إبَّان توليه -يحفظه الله- مقاليد الحكم، وكانت لهذا المركز الفتي خلال عامين فقط جهود كبيرة في نصرة الإخوة الأشقاء في اليمن خصوصًا، ودول إسلاميَّة وعربيَّة أخرى، إذ وزَّع المركز آلاف الأطنان من المساعدات الغذائيَّة والدوائيَّة والإيوائيَّة على أبناء الشعب اليمني الشقيق، في حملات متتابعة ومتسارعة، وبالأمس فقط، وصلت أطنان من المساعدات للإخوة المهجَّرين من حلب عبر الأراضي التركيَّة عن طريق قوافل بريَّة هائلة موَّلها وجهَّزها المركز.

كما كانت للملك المفدى جهود مشكورة وملحوظة تمثَّلت بالاهتمام بالسيرة النبويَّة الشريفة، ومنها دعمه غير المحدود لمشروع الأطلس التأريخي للسيرة النبويَّة وتنفيذه في دارة الملك عبدالعزيز، كما اهتم -يحفظه الله- بالتراث العربيّ والإسلاميّ أيَّما اهتمام، فأنشأ مجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفيَّة في المدينة المنورة لحفظ التراث العربي والإسلامي.

وذلك غيض من فيض جهوده المستمرة -يحفظه الله- في خدمة الإسلام، سوى عنايته الفائقة بخدمة الحرمين الشريفين، إذ شهد الحرمان الشريفان في عهده توسعات وخدمات أصبحت مثار اهتمام المسلمين حول العالم، هي جائزة ملك كبير لملك كبير، لا تهدف إلاَّ لخدمة المسلمين في حاضرهم ومستقبلهم.