في كلِّ مرَّة يُطرحُ موضوع افتتاح دور السينما في المملكة، يعود الجدل محتدمًا إلى الساحة، إلى حدٍّ يتخطَّى أطر الهدوء والحوار العقلانيّ، إلى التشنُّج والتقاذف بالتُّهم. وهو تشنُّج يمكن أن تساهم السينما -إنْ وُجدت- في التخفيفِ منه كثيرًا، مثلها مثل باقي الفنون عمومًا.

أعلمُ أنَّ هذا الرأي لا يروقُ لبعض المعارضين، لكنِّي أعتقدُ أنَّ دور الفنون مهمٌّ جدًّا في بثِّ قيم التَّسامح والتعدُّديَّة، وتقبُّل الاختلاف، اختلاف الآراء والمشارب. تساهم الفنون -مع العلوم والآداب- في تنوير المجتمع، ورسم صورة أكثر شموليَّة للعالم، تساعده على فهم اختلاف الآخر مهما كان، وبالتالي التَّعامل معه وفقًا لذلك، بعيدًا عن التطرُّف والتعصُّب اللَّذين لا يقودان إلاَّ إلى العزلة والعنف غالبًا.

تُمثِّلُ السينما نافذةً مهمَّةً، تُمكِّن المجتمعَ من النظر إلى ذاته أولاً، وإلى العالم، بعينٍ مختلفةٍ نوعيًّا. وهي أداة تنوير وتثقيف، تضع الشباب أمام فرصة لإدراك مفهوم التعدُّديَّة، وسُنَّة التغيير، وطبيعة الاختلاف، وتباين التجارب الإنسانيَّة. كما أنَّها وسيلة توعية، يمكنُ أن تساهمَ بقوَّة في تكريس مظاهر اجتماعيَّة صحيَّة، مثل الإحساس بالمسؤوليَّة الاجتماعيَّة، ومعرفة حقوق وواجبات المواطنة، وضرورة محاربة الفساد، وغير ذلك. كل هذا يتمُّ -بالطبع- عبر نافذة الترفيه.

وهي نافذة ترفيهيَّة يحتاجها مجتمعنا -في رأيي- شأنه شأن بقيَّة المجتمعات في العالم. وليس سرًّا أنَّ إقبال أبناء المملكة -وخصوصًا من الشباب والشابات- على عالم السينما كبير؛ يمكن قياس هذا بالنظر إلى إقبال أبنائنا على دور السينما في عواصم العالم العربيَّة والعالميَّة، أو على متابعتهم لقنوات ومواقع بثِّ الأفلام وتحميلها. تُمثِّل السينما بديلاً ترفيهيًّا مناسبًا، قد يُخفِّف من ظواهر أخرى مثل تكدُّس الشباب في المقاهي، وما يتبعها من مظاهر غير صحيَّة أبدًا.

يحتجُّ المعارضون بعدَّة مبرِّرات أهمُّها أنَّهم يرون أنَّ السينما قد تُشجِّع وتُضخِّم عددًا من السلوكيَّات السلبيَّة، كما يرى بعضهم أنَّ فيها نوعًا من التسويق للرذيلة، وهي مبرِّرات لا أتَّفقُ معهم فيها؛ فمجتمعنا لا يخلو من هذه المظاهر السلبيَّة التي يخشون من تفشِّيها، وأعتقدُ أنَّ في توجُّسهم نوعًا من التهويل، الذي اعتدنا عليه مع كلِّ مشروع جديد يواجه المجتمع.

هناك أمرٌ آخرُ.. لقد جرَّبنا سياسة المنع كثيرًا، ويبدو لي أنَّها لم تَعُدْ خيارًا مناسبًا الآن، مع كلِّ هذا الانفتاح الإعلاميِّ. يمكن في المقابل أنْ نستفيد من أخطائنا، ونعمل على صياغة هذا المشروع بما يتناسب مع قِيمنا ومبادئنا الاجتماعيَّة، أعني أنَّه يمكن لنا أنْ نُصمِّمَ دور سينما تتَّفقُ مع تقاليد وقيم مجتمعنا. وهذا -بلا شكّ- خيرٌ من أنْ يُوضع الأمر بيد مَن لا تهمُّه غير المكاسب الماديَّة، ممَّن لا يهتمُّ لتلك القيم والتقاليد. أم أنَّنا ننتظر أن يحدث ذلك.. كما حدث في مشروعات أخرى قبل ذلك؟!