عاد فارس من المدرسة، في يومه الأول من الصف الأول الابتدائي، يحمل كومةً من الكتب، اضطرَّتنا لشراء حقيبة مدرسيَّة بعجلات لثقلها. لكنَّ محتوى الكتب -على كثرتها- جاء بسيطًا، ومطروحًا بأسلوب يستوقف الطالب، ويسترعي انتباهه بالصور والألوان.

ما يستوقفني أنا هو ذلك التناقض بين مستوى الطالب في القراءة والكتابة، وبين مستوى اللغة العربيَّة التي كُـتب بها ذلك المحتوى. فمادة لغتي، التي تهتم أساسًا بالقراءة والكتابة، تدرك أنَّ الطالب سيبدأ بتعلُّم الوصل بين الحروف ليشكل كلمات ثلاثيَّة، ثم رباعيَّة، وأنَّه سيبدأ في تعلُّم علامات التشكيل، وسيجاهد ليُفرِّق بينها وبين حروف المد، لكنَّ لغة الكتب متقدِّمة كثيرًا عن ذلك المستوى المبتدئ.

مادة العلوم مثلاً ترهق إدراك الطفل، ناهيك عن لسانه، بالثدييات والبرمائيَّات، وبالحراشف والخياشيم، وبالموارد الطبيعيَّة والمناطق العشبيَّة، وبالرسوم البيانيَّة. أمَّا مادة الفقه فلا شأن لها بمستوى الطالب اللغويّ الذي سيعوِّق فهمه، حتّى وإن قرأ له أستاذه، أو أهله مقاطع الدرس، خاصَّةً تلك التي تروي قصصًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصِّها من الصحيحين. حتَّى طريقة التلقين والحفظ لن تنفع في هذه المرحلة، فالطفل ينفر تمامًا ممَّا لا يفهمه ولا يستطيع أن ينطقه. كيف نسي من وضع نشيد احترام المعلم في مادة الفقه، مثلاً، أن من سينشد هو طفل ما زال يتهجَّى كلمة (قـرأ)، فاختار له هذه الأبيات الصعبة: (يجزيك رب الخلق عنا بكل حق/ عن كل خير رُمْته لنا بكل رفق/ أدَّيته مُسارعًا بذمَّة وصدق)؟.

وما دمنا في ذكر الذِّمَّة والصدق، فكم هو رائع أن يتعلَّم الطفل مكارم الأخلاق من سيرة سيِّد الخلق، والتي يُقدِّمها كتاب الفقه والسلوك، فهناك تحفيز للطالب على أن يكون صادقًا وأمينًا مثل قدوته صلى الله عليه وسلم، لكن فارس يعود إلى المنزل كل يوم، وقد سُرقت أقلامه، وبعض تلاوينه، كل يوم يقول إنَّ زملاءه يطلبونها كاستعارة منه ولا يعيدونها له! كل يوم قلمين، وربما ماسحة، أو مبراة، أو ريال. اللوم قد يقع على الأستاذ لعدم دفع الضرر عن الطالب، لكنَّه ملام حتمًا لعدم تعزيز درس الأمانة في نفوس الصغار بالممارسة؛ ممَّا يعني أنَّهم يقرأون معه كالببغاوات، ويجيبون عن أسئلته بما حفظوه، دون أن يتسرَّب ذلك لسلوكهم الفعلي.

في مادة العلوم يتعلَّم فارس في الكتاب أنَّ التلوّثَ مضرٌّ بالبيئة، لكنَّه يرى أكياس البلاستيك على الأرض في المدرسة، ويتعلَّم أنَّ العلبَ المعدنيَّةَ يجبُ أنْ تُجمع في حاويات خاصَّة، لكنَّه يراها مكدَّسةً في حاويات الزبالة الكبيرة مع باقي النفايات، ويتعلَّم أنَّه يجب أن يحافظَ على نظافة دورات المياه، لكنَّه لا يستطيع استخدامها في المدرسة؛ لعدم نظافتها.

يتعلَّم فارس اللغة الإنجليزيَّة قراءةً وكتابةً، ويتحمَّس لإجادتها، ويحصل على المركز الأوَّل في امتحاناتها، لكنَّه حين يحضر سجّل النتيجة للمنزل يظلُّ يبحثُ عن المادة، ويسأل: أين مادة الإنجليزي التي تفوَّقتُ فيها؟ فهل يجتهد فيما لا قيمة له؟ وتطلب المدرسة من فارس الصغير مشروعات توضيحيَّة بين الحين والآخر، وحين قدمنا مشروعه الأوَّل بدا أسوأ مشروع نفّذه بيديه الصغيرتين، مقارنة بأعمال الطلبة الماهرة. كانت المدْرسة فخورةً بوسائل التوضيح المُتَّسقة والاحترافيَّة التي عرضتها على الحائط في يوم خاص. فيما بعد عرفنا أن مشروعات المدارس في كل المراحل هي مهمَّة الأمهات، أو المكتبات، وتعلَّمنا من يومها أن ينام فارس مبكِّرًا، ونسهر نحن على تنفيذ مشروعاته التي يستحيل أن يقوم هو بها.

ما هو الدرس الذي يتعلَّمه الطالب من سن مبكرة عن الأمانة والذِّمَّة؟ وكيف ستتحوَّل دروس التناقض مستقبلاً إلى الغشِّ، والازدواجيَّةِ، والمخادعةِ كأسلوب حياة؟