تُطرح مسألة الريادة في المسرح العربي، في السنوات الأخيرة بقوة،

بين اللبناني مارون النقاش الذي اقتبس البخيل لموليير في 1848، والجزائري أبراهام دانينوس، المترجم في محكمة الجزائر الأهلية. اكتشاف نص دانينوس: نزاهة المشتاق وغصة العشاق، في مدينة طرياق في العراق، التي نشرت عام 1847، اعتبر حدثًا جديدًا على الساحة الثقافية والفكرية محليًا وعربيًا وعالميًا. إذ اكتشف النص متأخرًا بالقياس إلى مارون النقاش، من طرف الأستاذين سادغروف Sadgroveمن جامعة مانشيستر، وزميله في البحث شاموييل وموريه ShamuelMoreh من الجامعة العبرية، في كتابهما إسهامات اليهود المسرحية في القرن التاسع عشر. Jewishcontributions to Nineteenth century arabic theater . للعلم، ولد أبراهام دانينوس في 1797، وتوفي 1872، أي على حواف قانون كريميو Crémieuxالذي جنس الجزائريين اليهود وأخرجهم من دائرة الأهالي. مما يعني أن دانينوس عندما كتب مسرحيته، كان من الأهالي مثل بقية الجزائريين،وكان عمره خمسين سنة، وأدركه قانون كريميو وعمره قرابة السبعين سنة، قبل وفاته بعد سنتين من ظهور هذا القانون الذي مزق اللحمة التاريخية للمجتمع الجزائري، التي نسجت عبر القرون منذ الفترة الأندلسية التي هجر فيها الأندلسيون من المسلمين واليهود نحو بقاع العالم بما فيها الجزائر. لهذا، فالطعن في جنسية الكاتب لا يستقيم إضافة إلى أن مفهوم المواطنة لم يكن واضحًا وقتها بالشكل الكافي. ويجب أن لا ننسى بأننا في حقبة استعمارية عملت على توليف ما أرادته لأهداف سياسية وأيديولوجية وعرقية ودينية. كل هذا لا يحل إشكال الريادة، بل يضعها على محك النقاش. البحث في هذا الموضوع يفترض أن لا يستند على المسبقات الجاهزة والمنتهية، ولكن على المادة التاريخية التي نحن بأمس الحاجة إليها. ويجب أن تسند البحث أكاديمية باردة مثل العمل التشريحي. نحتاج في هذا السياق إلى الإيمان بشيء مرتبط بسياقات تاريخ الأدب. إن تاريخ الأدب والأجناس بما فيهاالمسرح، ليس عالمًا مغلقًا أبدًا، فهو يتطور باستمرار. يمكن، وفي أية لحظة، أن يغير من مراتب الأسماء باكتشاف نصوص جديدة غفل عنها الباحثون لأسباب كثيرة بُني أغلبها على عدم معرفة . وقد يأتي أيضًا، في فترة لاحقة، آخرون ويعلنون أن مااكتشفوه يستحق كل الاهتمام ويهزون يقين من كان قبلهم. ويتم اختبار المادة علميًا قبل اتخاذ أي قرار. لأن سؤال الريادة مرتبط بقوة بامتياز بهذه القابلية على الانفتاح وضم الجديد. فعل المسؤولية كبير، لأن ما يتم إدراجه ضمن تاريخ الأدب لاحقا، يحتاج إلى قوة إقناعية كبيرة لأنها ستهز يقينيات كبيرة. وتاريخ الأدب هو اللايقين بامتياز. ظروف العمل تتغير والوصول إلى المخطوطات أو النصوص النادرة أصبح أسهل اليوم على ما كان عليه . هناك مشكلة كبرى تنشأ داخل الجدل بين الجديد والقديم، وهيهيمنة الوطنيات العربية غير المبررة والتي تصطدم مع الموضوعية. مقتل البحث في الريادة أو الريادات، هو تثبيت تاريخ الأدب في نقطة مرجعية محددة. إن العمل على الريادة يحتاج حتما إلى إعادة النظر في الثوابت المخطئة. المعضلة الكبيرة هو أنه لتثبيت الجديد، أن يتفق عليه الدرس الأكاديمي ويدرج المكتشفات في أبحاثه والدفاع عنها بعقل وتبصر، حتى يتم تقويم النقائص. على الرغم من اكتشاف نص دانينوس، وخروج كل الوفاقات، لا يزال الدرس الأكاديمي في الجامعات والمخابر، محكوما بالانغلاق في تاريخ الأدبوكان ما عثر عليه السلف هو النهائي وكأنه أيضا لا قيمة للزمن. يفضي بنا هذا إلى أزمة حقيقية لم نبحثها كما يمليه العقل والتبصر وخدمة تاريخ الأدب العربي. ويحل محل السجالية سلسلة من التهم التي تخدم الأدب مطلقا ولا المسرح . كأن يقول بعضهم إن دانينوس يهودي وكأن اليهودية مقياس ثقافيونقدي وليست دينًا كما بقية الأديان؟ سؤال آخر عمل نقد الريادة إلى تفاديه. هل يتعلق الأمر بتوطين جنس المسرح. واعتبار البخيل مثلا المقتبسة من طرف مارون النقاش عن مسرحية موليير بوصفها جهدًا ممهدًا للمسرح، وليس ريادة بالمعنى الدقيق، لأنه انبنى على اقتباس مختصر للبخيل. في وقت أن البخيل نص في المسرح الفرنسي؟ ثم هل الريادة تتلخص في كتابة أول نص مسرحي، أم في أول نص وطّن الجنس؟ سؤال بسيط لكنه معقد يحتاج فقط إلى تجاوز الوطنيات المريضة.