أَثنى الله تعالى على أهالي المدينة المنوَّرة من الأنصار، بقوله في محكم التنزيل: (وَالَّذِيْنُ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإِيْمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِم وَلَا يَجِدُوْنَ فِي صُدُوْرِهِم حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِم وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوْقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئْكَ هُمَ المُفْلِحُونَ).. (الحشر:9).

فتقاسم الأنصار مع المهاجرين من مسلمي مكَّة المكرَّمة، ومَن التحق بهم من أهالي جزيرة العرب متطلَّبات الحياة الكريمة والاستقرار، من مبدأ الأخوَّة فِي الإسلام، وإلغاء العصبيَّة للقبيلة، أو الجنس، أو الأرض، وجمع بين القويِّ والضعيف، والأبيض والملَّون، والحرِّ والعبد، وصهر الجميع في بوتقة الإسلام، حيث لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ إلَّا بالتقوى.

ومن نِعَمِ المولى، تواصل انصهار المهاجرين من المسلمين إلى مدينتينا المقدَّستين وما حولهما في بوتقة الأخوَّة، وتقاسم الأرزاق دون حساسيَّة العنصريَّة باختلاف العرق، واللون، ولسان الأمِّ. وأخذ بهذا الصهر في بوتقة الأخوَّة مؤسِّس مملكتنا -طيَّب الله ثراه- وهو يبني دولة البيت الواحد من شرق المملكة إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، مستقدمًا خبراء وإداريين ومستشارين وتنفيذيِّين من البلدان العربيَّة كافَّة؛ منهم على سبيل المثال الرئيس العراقي رشيد عالي الكيلاني باشا، ورئيس الوزراء السوري الدكتور محمد معروف الدواليبي، والشيخ يوسف ياسين من لاذقيَّة سورية، والطبيب الدمشقي الدكتور مدحة شيخ الأرض، وزميله الدكتور رشاد فرعون. ومن العراق الدكتور عبدالله الدملوجي، ومن ليبيا الأستاذ بشير السعداوي، ومن سورية المهندس خالد ياسين الحكيم، وآخرين من دول المغرب العربي، والسودان، تمتَّعوا جميعهم بالجنسيَّة السعوديَّة على تعدُّد ثقافاتهم ومذاهبهم. ومن بينهم أيضًا الدكتور جميل البارودي، الذي صال وجال في ردهات الأمم المتَّحدة، مدافعًا عن الحقوق العربيَّة. والأستاذ فؤاد حمزة الذي أسندت إليه الشؤون الخارجيَّة في الديوان الملكي. أبلى هؤلاء المستشارون بلاءً حسنًا ومميَّزًا، وساعدوا في بناء مملكة على أسس متينة من العقيدة ومتطلَّبات العصر، فقد حصد جيلنا خيرات ما أعطته بوتقة الانصهار هذه من كفاءات وقدرات رفعت بلدنا إلى مكانة مميِّزة بين الأمم. مثل هذا الانصهار الذي التزم بثوابت المملكة مبدأً وعقيدةً، وعمل بمقتضيات متغيِّرات المجتمع؛ هو ما تحتاجه اليوم شعوب عربيَّة وإسلاميَّة مجاورة لبلدنا، أصابها تسونامي الفوضى الفتَّاكة مخلِّفًا تحكُّم الطائفيَّة المذهبيَّة البغيضة بالبلاد والعباد.