رحل الأمير محمد الفيصل -رحمه الله، وأسكنه الجنَّة- بعد سجِّلٍ حافلٍ من الإنجازات الخالدة، حيث قدَّم الكثير من المبادرات التي سُجِّلت في خدمة الإسلام والمسلمين. رجل تحلَّى بالأخلاق الحميدة، والسيرة العطرة، وعمل في صمت، مع قدرٍ كبيرٍ من التَّواضع وحبِّ العمل الخيري لخدمة الإسلام والمسلمين.

تولَّى الأمير محمد، العديد من المناصب، ومنها على سبيل المثال: رئيس مطار الرياض القديم من عام 1379 - 1387هـ؛ ثمَّ عيَّنه الملك فيصل -رحمه الله- وكيلاً لوزارة الخارجيَّة، وعمل فيها حتَّى عام 1391هـ، وفي نفس العام تولَّى منصب أمين مؤسَّسة الملك فيصل، واستمر فيها حتَّى عام 1396هـ، ثمَّ بعد ذلك تولَّى منصب رئيس الهيئة العامَّة لتحلية المياه المالحة في عهد الملك خالد -رحمه الله-.

كما كان لسموِّه أنشطة استثماريَّة أخرى عمل عليها بجدٍّ واجتهادٍ حسب توجُّهاته الإسلاميَّة، وحرصه على حماية المسلمين من الوقوع في الربا، وما تؤول إليه البنوك الربويَّة من مكاسب ماحقة، ومحاربة لله ورسوله، فعمل على إنشاء بنك فيصل الإسلامي في كلٍّ من مصر، والمنامة، والسودان، كما شغل مناصب عدَّة في مجالات التعليم، لشغفه بالعلم والمعرفة، حيث شغل منصب رئيس الاتحاد العالمي للمدارس العربيَّة الإسلاميَّة الدوليَّة منذ إنشائها عام 1976م حتَّى توفَّاه الله، كما أن له الكثير من المساهمات الخيريَّة على المستويات المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة. كما أسَّس دار المال الإسلامي الذي يحوي العديد من البنوك في كثير من دول العالم الإسلامي، وقد عُرف عنه أنَّه رجل مصرفي متميِّز وعلى مستوى عالٍ من المهنيَّة.

الأمير محمد الفيصل أثبت براعة فائقة، حيث طرح العديد من الاقتراحات المميِّزة والمنشورة في مجلات علميَّة مرموقة في إيجاد حلول عمليَّة لسدِّ فجوة الندرة المائيَّة التي تعيشها المملكة، حيث قلة الأمطار، وشحّ المياه العذبة، فكان لزامًا علينا -آنذاك- أن نبحث عن مصادر جديدة للمياه، وحل هذه المعضلة، حيث كان الشغل الشاغل للمؤسِّس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- توفير المياه العذبة لعامَّة الشعب، والبحث عن مصادر لتغذية المدن الكبرى، وخدمة الحجَّاج في مكَّة المكرَّمة، والمدينة المنوَّرة، ومن بعده تبعه أبناؤه البررة -رحمهم الله جميعًا- حتَّى الوصول لمليكنا المحبوب، الملك سلمان -أيده الله- فقد عملوا جميعًا على ديدن والدهم، فاهتمُّوا بتوفير المياه من مصادرها التقليديَّة والبديلة، وبأرخص الأثمان، فكان إنشاء محطات لتحلية المياه المالحة لسد الاحتياجات، وكانت البدايات لمحطات التحلية منذ عهد الملك فيصل -رحمه الله- ثمَّ توالى إنشاء المحطات حتَّى وصلت لأكثر من ثلاثين محطة على ساحلي البحر الأحمر والخليج العربي، وكان للأمير محمد الفيصل بصمة واضحة في وضع العديد من التصورات التي تخدم الوطن، وتوفر الأمن المائي لخدمة البلاد والعباد.

رحم الله الأمير محمد الفيصل، وجعل ما قدَّمه من إنجازات جليلة لخدمة هذا البلد الكريم وخدمة الإسلام والمسلمين، في موازين حسناته، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».